وقال مطرف ، ما سمعت قط ثناء ولا مدحة إلا تصاغرت إلىّ نفسي . وقال زياد بن أبي مسلم ، ليس أحد يسمع ثناء عليه أو مدحة ، إلا تراءى له الشيطان . ولكن المؤمن يراجع .
فقال ابن المبارك ، لقد صدق كلاهما . أما ما ذكره زياد ، فذلك قلب العوام . وأما ما ذكره مطرف ، فذلك قلب الخواص . وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لو مشى رجل إلى رجل بسكَّين مرهف كان خيرا له من أن يثنى عليه في وجهه » وقال عمر رضي الله عنه : المدح هو الذبح . وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن العمل . والمدح يوجب الفتور . أو لأن المدح يورث العجب والكبر ، وهما مهلكان كالذبح ، فلذلك شبهه به
فإن سلم المدح من هذه الآفات في حق المادح والممدوح ، لم يكن به بأس . بل ربما كان مندوبا إليه ولذلك أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة فقال [ 2 ] « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالم لرجح » وقال في عمر [ 3 ] « لو لم أبعث لبعثت يا عمر » وأي ثناء يزيد على هذا ؟ ولكنه صلى الله عليه وسلم قال عن صدق وبصيرة وكانوا رضي الله عنهم أجل رتبة من أين يورثهم ذلك كبرا وعجبا وفتورا . بل مدح الرجل نفسه قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر . إذ قال صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » أي لست أقول هذا تفاخرا ، كما يقصده الناس بالثناء على أنفسهم . وذلك لأن افتخاره صلى الله عليه وسلم كان باللَّه ، وبالقرب من الله ، لا بولد آدم وتقدمه عليهم . كما أن المقبول عند الملك قبولا عظيما إنما يفتخر بقبوله إياه ، وبه يفرح . لا بتقدمه على بعض رعاياه وبتفصيل هذه الآفات تقدر على الجمع بين ذم المدح وبين الحث عليه . قال صلى الله عليه وسلم [ 5 ] « وجبت » لما أثنوا على بعض الموتى . وقال مجاهد إن لبني آدم جلساء
شرح
[ 1 ] حديث لو مشى رجل بسكين مرهف كان خيرا له من أن يثنى عليه في وجهه : لم أجده أيضا
[ 2 ] حديث لو وزن ايمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح : تقدم في العلم
[ 3 ] حديث لو لم أبعث لبعثت يا عمر : أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة وهو منكر والمعروف حديث عقبة بن عامر لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب رواه الترمذي وحسنه
[ 4 ] حديث أنا سيد ولد آدم ولا فخر : الترمذي وابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري والحاكم من حديث جابر وقال صحيح الاسناد وله من حديث عبادة بن الصامت أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر ولمسلم من حديث أبي هريرة أنا سيد ولد آدم يوم القيامة
[ 5 ] حديث وجبت قاله لما أثنوا على بعض الموتى : متفق عليه من حديث أنس