مثال آخر للدنيا ، في تعذر الخلاص من تبعتها بعد الخوض فيها
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّما مثل صاحب الدّنيا كالماشي في الماء هل يستطيع الَّذي يمشى في الماء أن لا تبتلّ قدماه » وهذا يعرفك جهالة قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم ، وقلوبهم منها مطهرة ، وعلائقها عن بواطنهم منقطعة ، وذلك مكيدة من الشيطان . بل لو أخرجوا مما هم فيه ، لكانوا من أعظم المتفجعين بفراقها . فكما أن المشي على الماء يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم ، فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة في القلب . بل علاقة الدنيا مع القلب تمنع حلاوة العبادة . قال عيسى عليه السلام :
بحق أقول لكم ، كما ينظر المريض إلى الطعام فلا يلتذ به من شدة الوجع ، كذلك صاحب الدنيا ، لا يلتذ بالعبادة ، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب الدنيا . وبحق أقول لكم ، إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن ، تصعب ويتغير خلقها . كذلك القلوب إذا لم ترفق بذكر الموت ، ونصب العبادة ، تقسو وتغلظ . وبحق أقول لكم ، إن الزق ما لم ينخرق أو يقحل يوشك أن يكون وعاء للعسل . كذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات ، أو يدنسها الطمع أو يقسيها النعيم ، فسوف تكون أوعية للحكمة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّما بقي من الدّنيا بلاء وفتنة وإنّما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث أعلاه خبث أسفله »
مثال آخر لما بقي من الدنيا وقلته بالإضافة إلى ما سبق
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « مثل هذه الدّنيا مثل ثوب شقّ من أوّله إلى آخره فبقي متعلَّقا بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع »
شرح
[ 1 ] حديث انما مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء - الحديث : ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من رواية الحسن وقال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكره ووصله البيهقي في الشعب وفي الزهد من رواية الحسن عن أنس
[ 2 ] حديث إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة - الحديث : ابن ماجة من حديث معاوية فرقه في موضعين ورجاله ثقات
[ 3 ] حديث مثل هذه الدنيا كمثل ثوب شق من أوله إلى آخره أبو الشيخ ابن حبان في الثواب وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس بسند ضعيف