تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
الا إذا كان بقدر الضرورة ، فيكون سبب المكاشفة لأسرار الغيب . فقد قيل في صفة الأبدال ، إن أكلهم فاقة ، ونومهم غلبة ، وكلامهم ضرورة . وقال إبراهيم الخواص رحمه الله ، أجمع رأى سبعين صديقا على أن كثرة النوم من كثرة شرب الماء وأما الصمت ، فإنه تسهله العزلة ، ولكن المعتزل لا يخلو عن مشاهدة من يقوم له بطعامه وشرابه وتدبير أمره ، فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة . فإن الكلام يشغل القلب ، وشره القلوب إلى الكلام عظيم ، فإنه يستروح إليه ، ويستثقل التجرد للذكر والفكر ، فيستريح إليه . فالصمت يلقح العقل ، ويجلب الورع ، ويعلم التقوى وأما الخلوة ، ففائدتها دفع الشواغل ، وضبط السمع والبصر ، فإنهما دهليز القلب ، والقلب في حكم حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة قذرة ، من أنهار الحواس . ومقصود الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه ، ومن الطين الحاصل منها ، ليتفجر أصل الحوض ، فيخرج منه الماء النظيف الطاهر . وكيف يصح له أن ينزح الماء من الحوض ، والأنهار مفتوحة إليه ، فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص . فلا بد من ضبط الحواس إلا عن قدر الضرورة ، وليس يتم ذلك إلا بالخلوة في بيت مظلم . وإن لم يكن له مكان مظلم ، فليلف رأسه في جيبه ، أو يتدثر بكساء أو إزار ، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ، ويشاهد جلال الحضرة الربوبية . أما ترى أن نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه وهو على مثل هذه الصفة ، [ 1 ] فقيل له * ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) * « 1 » * ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) * « 2 » فهذه الأربعة جنة وحصن ، بها تدفع عنه القواطع ، وتمنع العوارض القاطعة للطريق فإذا فعل ذلك ، اشتغل بعده بسلوك الطريق . وإنما سلوكه بقطع العقبات ، ولا عقبة على طريق الله تعالى إلا صفات القلب ، التي سببها الالتفات إلى الدنيا . وبعض تلك العقبات أعظم من بعض . والترتيب في قطعها ، أن يشتغل بالأسهل فالأسهل ، وهي تلك الصفات
شرح
[ 1 ] حديث بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مدثر فقيل له يا أيها المزمل يا أيها المدثر : متفق عليه من حديث جابر جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني - الحديث : وفيه فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا على الماء باردا فدثروني وصبوا على ماء باردا قال فنزلت يا أيها المدثر وفي رواية فقلت زملوني زملوني ولهما من حديث عائشة فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع
هامش
« 1 » المزمل : 1 « 2 » المدثر : 1