تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
كتاب آداب العزلة وهو الكتاب السادس من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أعظم النعمة على خيرة خلقه وصفوته ، بأن صرف هممهم إلى مؤانسته وأجزل حظهم من التلذذ بمشاهدة آلائه وعظمته ، وروح أسرارهم بمناجاته وملاطفته وحقر في قلوبهم النظر إلى متاع الدنيا وزهرتها ، حتى اغتبط بعزلته كل من طويت الحجب عن مجاري فكرته ، فاستأنس بمطالعة سبحات وجهه تعالى في خلوته ، واستوحش بذلك عن الأنس بالأنس وإن كان من أخص خاصته . والصلاة على سيدنا محمد سيد أنبيائه وخيرته وعلى آله وصحابته سادة الحق وأئمته أما بعد : فإن للناس اختلافا كثيرا في العزلة والمخالطة ، وتفضيل إحداهما على الأخرى مع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن غوائل تنفر عنها ، وفوائد تدعو إليها ، وميل أكثر العبّاد والزهاد إلى اختيار العزلة ، وتفضيلها على المخالطة . وما ذكرناه في كتاب الصحبة من فضيلة المخالطة والمؤاخاة والمؤالفة ، يكاد يناقض ما مال إليه الأكثرون ، من اختيار الاستيحاش والخلوة ، فكشف الغطاء عن الحق في ذلك مهم ، ويحصل ذلك برسم بابين الباب الأول : في نقل المذاهب والحجج فيها الباب الثاني : في كشف الغطاء عن الحق بحصر الفوائد والغوائل الباب الأوّل في نقل المذاهب والأقاويل وذكر حجج الفريقين في ذلك أما المذاهب : فقد اختلف الناس فيها ، وظهر هذا الاختلاف بين التابعين . فذهب إلى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة ، سفيان الثوري ، وإبراهيم بن أدهم ، وداود الطائي وفضيل بن عياض ، وسليمان الخواص ، ويوسف بن أسباط ، وحذيفة المرعشي ، وبشر الحافي