وإن كان المشروب مباحا في نفسه لأن في هذا تشبها بأهل الفساد ، بل لهذا ينهى عن لبس القباء وعن ترك الشعر على الرأس قزعا في بلاد صار القباء فيها من لباس أهل الفساد ولا ينهى عن ذلك فيما وراء النهر ، لاعتياد أهل الصلاح ذلك فيهم فبهذه المعاني حرم المزمار العراقي والأوتار كلها كالعود والصنج والرباب والبربط وغيرها وما عدا ذلك فليس في معناها كشاهين الرعاة ، والحجيج وشاهين الطبالين ، وكالطبل والقضيب وكل آلة يستخرج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يعتاده أهل الشرب ، لأن كل ذلك لا يتعلق بالخمر ، ولا يذكر بها ولا يشوق إليها ولا يوجب التشبه بأربابها فلم يكن في معناها فبقي على أصل الإباحة ، قياسا على أصوات الطيور وغيرها ، بل أقول سماع الأوتار ممن يضربها على غير وزن متناسب مستلذ حرام أيضا ، وبهذا يتبين أنه ليست العلة في تحريمها مجرد اللذة الطيبة بل القياس تحليل الطيبات كلها ، إلا ما في تحليله فساد قال الله تعالى * ( قُلْ من حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه ِ والطَّيِّباتِ من الرِّزْقِ ) * « 1 » فهذه الأصوات لا تحرم من حيث إنها أصوات موزونة ، وإنما تحرم بعارض آخر كما سيأتي في العوارض المحرمة
الدرجة الثالثة : الموزون والمفهوم وهو الشعر
، وذلك لا يخرج إلا من حنجرة الإنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوما والكلام المفهوم غير حرام ، والصوت الطيب الموزون غير حرام ، فإذا لم يحرم الآحاد فمن أين يحرم المجموع ، نعم ينظر فيما يفهم منه ، فإن كان فيه أمر محظور حرم نثره ونظمه وحرم النطق به ، سواء كان بألحان أو لم يكن والحق فيه ما قاله الشافعي رحمه الله ، إذ قال : الشعر كلام ، فحسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، ومهما جاز إنشاد الشعر بغير صوت وألحان جاز إنشاده مع الألحان ، فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان ذلك المجموع مباحا ، ومهما انضم مباح لم يحرم إلا إذا تضمن المجموع محظور الا تتضمنه الآحاد ولا محظور هاهنا ، وكيف ينكر إنشاد الشعر وقد أنشد بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ]
شرح
[ 1 ] حديث انشاد الشعر بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلم متفق عليه من حديث أبي هريرة ان عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك - الحديث : ولمسلم من حديث عائشة انشاد حسنهجوت محمدا فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاءالقصيدة وإنشاد حسان أيضاوإن سنام المجد من آل هاشم
بنو بنت مخزوم ووالدك العبدوللبخاري إنشاد ابن رواحةوفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشق معروف من الفجر ساطعالأبيات
هامش
« 1 » الأعراف : 22