الذي يظن أنه أفضل علماء بلده ، ويعرف ذلك بالتسامع ، كما يعرف أفضل أطباء البلد بالتسامع والقرائن ، وإن كان لا يحسن الطب . وليس للمستفتى أن ينقد من المذاهب أوسعها عليه ، بل عليه أن يبحث حتى يغلب على ظنه الأفضل . ثم يتبعه فلا يخالفه أصلا .
نعم : إن أفتى له إمامه بشيء ولإمامه فيه مخالف ، فالفرار من الخلاف إلى الإجماع من الورع المؤكد . وكذا المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة ، ورجح جانب الحل بحدس وتخمين وظن فالورع له الاجتناب فلقد كان المفتون يفتون بحل أشياء لا يقدمون عليها قط ، تورعا منها وحذرا من الشبهة فيها .
فلنقسم هذا أيضا على ثلاث مراتب
الرتبة الأولى : ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه
، وهو ما يقوى فيه دليل المخالف ويدق وجه ترجيح المذهب الآخر عليه . فمن المهمات التورع عن فريسة الكلب المعلم إذا أكل منها وإن أفتى المفتي بأنه حلال . لأن الترجيح فيه غامض . وقد اخترنا أن ذلك حرام وهو أقيس قولي الشافعي رحمه الله . ومهما وجد للشافعي قول جديد موافق لمذهب أبي حنيفة رحمه الله ، أو غيره من الأئمة كان الورع فيه مهما ، وإن أفتى المفتي بالقول الآخر ومن ذلك الورع عن متروك التسمية ، وإن لم يختلف فيه قول الشافعي رحمه الله ، لأن الآية ظاهرة في إيجابها ، والأخبار متواترة فيه . فإنه صلَّى الله عليه وسلم قال لكل من سأله عن الصيد [ 1 ] « إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت عليه اسم الله فكل » ونقل ذلك على التكرر . وقد شهر الذبح [ 2 ] بالبسملة . وكل ذلك يقوى دليل الاشتراط . ولكن لما صح قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « المؤمن يذبح على اسم الله تعالى سمّى أو لم يسمّ »
شرح
[ 1 ] حديث إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل : متفق عليه من حديث عدى بن حاتم ومن حديث أبي ثعلبة الخشني
[ 2 ] حديث التسمية على الذبح متفق عليه من حديث رافع بن خديج ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر
[ 3 ] حديث المؤمن يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم : قال المصنف إنه صح قلت لا يعرف بهذا اللفظ فضل عن صحته ولأبي داود في المراسيل من رواية الصلت مرفوعا ذبيحة المسلم حلال ذكرا أو لم يذكر وللطبراني في الأوسط والدارقطني وابن عدي والبيهقي من حديث أبي هريرة قال رجل يا رسول الله الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى الله فقال اسم الله على كل مسلم قال ابن عدي منكر وللدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس المسلم يكفيه اسمه فان نسي أن يسمى حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم ليأكل فيه محمد بن سنان ضعفه الجمهور