ومن فضّلنى على نفسه فهو خير منى . وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « المرء على دين خليله ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له » فهذه أقل الدرجات وهو النظر بعين المساواة والكمال في رؤية الفضل للأخ . ولذلك قال سفيان : إذا قيل لك يا شر الناس فغضبت ، فأنت شر الناس . أي ينبغي أن تكون معتقدا ذلك في نفسك أبدا وسيأتي وجه ذلك في كتاب الكبر والعجب . وقد قيل في معنى التواضع ورؤية الفضل للأخوان أبيات :
تذلل لمن إن تذللت له
يرى ذاك للفضل لا للبله
وجانب صداقة من لا يزال
على الأصدقاء يرى الفضل له
وقال آخر :
كم صديق عرفته بصديق
صار أحظى من الصديق العتيق
ورفيق رأيته في طريق
صار عندي هو الصديق الحقيقي
ومهما رأى الفضل لنفسه ، فقد احتقر أخاه . وهذا في عموم المسلمين مذموم قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « بحسب المؤمن من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم »
ومن تتمة الانبساط وترك التكلف
أن يشاور إخوانه في كل ما يقصده ، ويقبل إشاراتهم فقد قال تعالى * ( وشاوِرْهُمْ في الأَمْرِ ) * « 1 » وينبغي أن لا يخفى عنهم شيئا من أسراره . كما روي أن يعقوب ابن أخي معروف قال : جاء أسود بن سالم إلى عمى معروف ، وكان مواخيا له فقال إن بشر بن الحارث يحب مؤاخاتك ، وهو يستحى أن يشافهك بذلك ، وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينك وبينه أخوة يحتسبها ويعتذبها ، إلا أنه يشترط فيها شروطا ، لا يحب أن يشتهر بذلك ، ولا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة ، فإنه يكره كثرة الالتقاء . فقال معروف : أما أنا لو آخيت أحدا لم أحب مفارقته ليلا ولا نهارا
شرح
[ 1 ] حديث المرء على دين خليله ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له : تقدم الشطر الأول منه في الباب قبله واما الشطر الثاني فرواه ابن عدي في الكامل من حديث أنس بسند ضعيف
[ 2 ] حديث حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم : مسلم من حديث أبي هريرة وتقدم في أثناء حديث لا تدابروا في هذا الباب
هامش
« 1 » آل عمران : 159