حرصهم على ما نهوا عنه ، فيقولون : لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به . ومثل المعلم المرشد من المسترشدين مثل النقش من الطين والظل من العود ، فكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه ، ومتى استوى الظل والعود أعوج ؟ ! ولذلك قيل في المعنى :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال الله تعالى : * ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) * . ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكبر من وزر الجاهل ، إذ يزل بزلته عالم كثير ، ويقتدون به ،
و « من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها » ، ولذلك
قال على رضي الله عنه : قصم ظهري رجلان : عالم متهتك ، وجاهل متنسّك ، فالجاهل يغر الناس بتنسكه ، والعالم يغرهم بتهتكه . والله أعلم
الباب السادس في آفات العلم
وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء
قد ذكرنا ما ورد من فضائل العلم والعلماء ، وقد ورد في العلماء السوء تشديدات عظيمة دلت على أنهم أشدّ الخلق عذابا يوم القيامة ، فمن المهمات العظيمة معرفة
العلامات الفارقة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة ، ونعني بعلماء الدنيا علماء السوء الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها ،
قال صلَّى الله عليه وسلم : « إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه » . وعنه صلَّى الله عليه وسلم أنه قال [ 1 ] « لا يكون المرء عالما حتّى يكون بعلمه عاملا » .
وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « العلم علمان : علم على اللَّسان ، فذلك حجّة الله تعالى على خلقه ، وعلم في القلب فذلك العلم النّافع » .
شرح
الباب السادس
[ 1 ] حديث
لا يكون المرء عالما حتى يكون بعلمه عاملا : ابن حبان في كتاب روضة العقلاء ، والبيهقي في المدخل موقوفا على أبي الدرداء ، ولم أجده مرفوعا
[ 2 ] حديث
العلم علمان علم على اللسان - الحديث : الترمذي الحكيم في النوادر ، وابن عبد البر من حديث الحسن مرسلا بإسناد صحيح ، وأسند الخطيب في التأريخ من رواية الحسن عن جابر بإسناد جيد ، وأعله ابن الجوزي