وعن مقتضى عقله يأتون بأدلَّة لم يصلوا أنفسهم إليها إلا بعد أن قضوا أعمارهم في تحصيل العلوم العقليّة منها والنقليّة .
ومن المعلوم : أنّ العالم لا يستطيع أن يتفكَّر مثل الجاهل ، سيّما في الأُمور الشرعيّة ، وأنّ الخوض في المسائل الدقيقة ، وتعميق النظر فيها يجعل المدقّق خارجاً عن الذوق العرفي .
العدول عن الحيّ إلى الحيّ
إنّ في جواز العدول عن مفت حي إلى مفت حي آخر قولين :
حكي الجواز عن المحقّق والشهيد الثانيين ( قدس سرهما ) في الجعفريّة « 1 » ، والمقاصد العليّة « 2 » ؛ تبعاً للمحكي عن العلامة في النهاية « 3 » ، واختاره المدقّق الأصفهاني « 4 » .
وحكي عدم الجواز عن التهذيب وشرحه ، والذكرى « 5 » ، وعن العلامة الأنصاري في رسالة الاجتهاد والتقليد « 6 » .
والأقوى هو القول بالجواز ؛ لأنّ إطلاق أدلَّة التقليد اللفظيّة حاكم بذلك ، فكما دلّ على تخيير العامّي في الرجوع الابتدائي إلى أيّ مفت من المفتين ، كما عرفت .
فإنّ لسانها إثبات حجّيّة إرشاديّة لقول المفتي ، ومقتضاها التخيير بين الأخذ بها أو بمثلها ، فكذلك يدلّ على تخييره استمراراً في الرجوع إلى أيّ مفت ، فإنّ لازم الحجّيّة الإرشاديّة رفع اليد عنها ، والأخذ بالأُخرى .
هامش
« 1 » رسائل المحقق الكركي ، ج 1 ، ص 80 ، الجعفريّة ، ص 20 .
« 2 » المقاصد العليّة ، ص 29 .
« 3 » نهاية الأحكام ، ج 1 ، ص 398 .
« 4 » نهاية الدراية ، ج 6 ، ص 409 وما بعدها .
« 5 » ذكرى الشيعة ، ص 3 .
« 6 » مجموعة رسائل رسالة الاجتهاد والتقليد ، ص 77 .