بالوقف فيجاب عنه بأن الله سبحانه قد بين حكم ما سكت عنه بأنه حلال بما سبق من الأدلة وليس المراد بقوله وبينهما أمور مشتبهات الا ما لم يدل الدليل على أنه حلال طلق أو حرام واضح بل تنازعه أمران أحدهما يدل على الحاقه بالحلال والآخر يدل على الحاقه بالحرام كما يقع ذلك عند تعارض الأدلة اما ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه كما تقدم في حديث سلمان وقد أوضحنا الكلام على
هذا الحديث في رسالة مستقلة فليرجع إليها واستدلوا أيضا بالحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام ويجاب عنه بأنه خارج عن محل النزاع لأنه خاص بالأموال التي قد صارت مملوكة لمالكيها ولا خلاف في تحريمها على الغير وانما النزاع في الأعيان التي خلقها الله لعباده ولم تصر في ملك أحد منهم وذلك كالحيوانات التي لم ينص الله عز وجل على تحريمها لا بدليل عام ولا خاص وكالنباتات التي تنبتها الأرض مما لم يدل دليل على تحريمها ولا كانت مما يضر مستعملة بل مما ينفعه
المسألة الثانية اختلفوا في وجوب شكر المنعم عقلا فالمعتزلة ومن وافقهم أوجبوه بالعقل على من لم يبلغه الشرع وخالف في ذلك جمهور الأشعرية ومن وافقهم لأنهم يقولون لا حكم للعقل كما تقدم تحقيقه قالوا وعلى تقدير التسليم لحكم العقل فلا حكم للعقل بوجوب شكر المنعم فلا أثم في تركه على من لم تبلغه دعوة النبوة لأنه لو وجب لوجب لفائدة واللازم باطل فالملزوم مثله وتقرير الملازمة انه لو وجب لا لفائدة لكان عبثا وهو قبيح فلا يجب عقلا ولا يجوز على الله سبحانه ايجاب ما كان عبثا واما تقرير بطلان اللازم فلأن الفائدة اما أن تكون لله تعالى أو تكون للعبد اما في الدنيا أو في الآخرة والكل باطل لأن الله سبحانه متعال ولأنه لا منفعة فيه للعبد في الدنيا لأنه تعب ومشقة عليه ولاحظ للنفس فيه وما كان كذلك لا يكون له فائدة دنيوية واما انتفاع العبد به في الآخرة فلأن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مجال للعقل فيه وأجيب عن ذلك بمنع كونه لا فائدة للعبد فيه وسند هذا المنع بأن فائدته للعبد في الدنيا هي دفع ضرر خوف العقاب وذلك للزوم الخطور على بال كل عاقل إذا رأى ما عليه من النعم المتجددة وقتا بعد وقت ان المنعم قد ألزمه بالشكر كما يخطر على بال من أنعم عليه ملك من الملوك بأصناف النعم أنه مطالب له بالشكر عليها ومنع الأشعرية لزوم الخطور الموجب للخوف فلا يتعين وأجيب عن هذا المنع بأنه غير متوجه لأن ما ذكره القائلون بالوجوب هو منع فان أرادوا بهذا المنع لذلك المنع ان سنده لا يصلح للسندية فذلك منع مجرد للسند وهو غير مقبول وعلى التسليم فيقال وانه ان لم يتعين وجود الخوف فهو على خطر الوجود بالشكر يندفع احتمال وجوده وهو فائدة جليلة ثم جاء الأشعرية بمعارضة لما ذكرته المعتزلة فقالوا ولو سلم فخوف العقاب على الترك معارض بخوف العقاب على الشكر اما لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن المالك فان ما
يتصرف به العبد من نفسه وغيرها ملك لله تعالى واما لأنه كالاستهزاء وما مثله الا كمثل فقير حضر مائدة ملك عظيم فتصدق عليه بلقمة فطفق يذكرها في المجامع وشكر عليها شكرا كثيرا مستمرا فان ذلك يعد استهزاء من الشاكر بالملك فكذا هنا بل اللقمة بالنسبة إلى الملك وما يملكه أكثر مما أنعم الله به على العبد بالنسبة إلى الرب سبحانه وشكر العبد أقل قدرا في جنب الله من شكر الفقير للملك على الصفة المذكورة ولا يخفاك ان هذه المعارضة الركيكة والتمثيل الواقع على غاية من السخف يندفعان بما قصه الله سبحانه علينا في الكتاب العزيز من تعظيم شأن ما أنعم به على عبادة وكرر ذلك تكريرا كثيرا فإن كان ذلك مطابقا للواقع سقط ما جاءوا به وان كان غير مطابق
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 286
مساهمون: الشوكاني
ص٢٨٦