قال أبو الحسين البصري المسألة الاجتهادية هي التي اختلف فيها المجتهدون من الأحكام الشرعية وهذا ضعيف لأن جواز اختلاف المجتهدين مشروط بكون المسألة اجتهادية فلو عرفنا كونها اجتهادية باختلافهم فيها لزوم الدور
المسألة الثاني هل يجوز خلو العصر عن المجتهدين أم لا فذهب جمع إلا أنه لا يجوز خلوا الزمان عن مجتهد قائم بحجج الله يبين للناس ما نزل إليهم قال بعضهم ولا بد ان يكون في كل قطر من يقوم به الكفاية لأن الاجتهاد من فروض الكفايات قال ابن الصلاح الذي رأيته في كتب الأئمة يشعر بأنه لا يتأتى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد قال والظاهر أنه لا يتأتى في الفتوى وقال بعضهم الاجتهاد في حق العلماء على ثلاثة اضرب فرض عين وفرض كفاية وندب فالأول على حالين اجتهاد في حق نفسه عند نزول الحادثة والثاني اجتهاد فيما تعين عليه الحكم فيه فان ضاق فرض الحادثة كان على الفور والا كان على التراخي والثاني على حالين أحدهما إذا نزلت بالمستفتي حادثة فاستفتى أحد العلماء توجه الفرض على جميعهم وأخصهم بمعرفتها من خص بالسؤال عنها فان أجاب هو أو غيره سقط الفرض والا أثموا جميعا والثاني ان يتردد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر فيكون فرض الاجتهاد مشتركا بينهما فأيهما تفرد بالحكم فيه سقط فرضه عنها والثالث على حالين أحدهما فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل يسبق إلى معرفة حكمه
قبل نزوله والثاني ان يستفتيه قبل نزولها انتهى ولا يخفاك ان القول بكون الاجتهاد فرضا يستلزم عدم خلو الزمان عن مجتهد ويدل على ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة وقد حكى الزركشي في البحر عن الأكثرين انه يجوز خلو العصر عن المجتهد وبه جزم صاحب المحصول قال الرافعي الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم قال الزركشي ولعله أخذه من كلام الإمام الرازي أو من قول الغزالي في الوسيط قد خلا العصر عن المجتهد المستقل قال الزركشي ونقل الاتفاق عجيب والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة وساعدهم بعض أئمتنا والحق ان الفقيه الفطن القياس كالمجتهد في حق العامي لا الناقل فقط وقالت الحنابلة لا يجوز خلو العصر عن مجتهد وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق والزبيري ونسبه أبو إسحاق إلى الفقهاء قال ومعناه ان الله تعالى لو أخلى زمانا من قائم بحجة زال التكليف إذ التكليف لا يثبت الا بالحجة الظاهرة وإذا زال التكليف بطلت الشريعة قال الزبيري لن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة في كل وقت ودهر وزمان وذلك قليل في كثير فاما ان يكون غير موجود كما قال الخصم فليس بصواب لأنه لو عدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها ولو عطلت الفرائض كلها لحلت النقمة بالخلق كما جاء في الخبر لا تقوم الساعة إلى علي شرار الناس ونحن نعوذ بالله ان نؤخر مع الأشرار انتهى قال ابن دقيق العيد هذا هو المختار عندنا لكن إلى الحد الذي ينتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان وقال في شرح خطبة الالمام والأرض لا تخلوا من قائم لله بالحجة والأمة الشريفة لا بد لها من سالك إلى الحق على واضح الحجة إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى انتهى وما قاله الغزالي رحمه الله من أنه قد خلا العصر عن المجتهد قد سبقه إلى القول به القفال ولكنه ناقض ذلك فقال إنه ليس بمقلد للشافعي وانما وافق رأيه رأيه كما نقل ذلك عنه الزركشي وقال قول هؤلاء القائلين بخلو العصر عن المجتهد مما يقضي منه العجب فإنهم ان قالوا ذلك باعتبار المعاصرين لهم فقد عاصر القفال والغزالي والرازي والرافعي من الأئمة القائمين بعلوم الاجتهاد على الوفاء والكمال جماعة منهم ومن كان له المام بعلم التاريخ والاطلاع على أحوال علماء الاسلام في كل عصر لا يخفى عليه مثل هذا
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 253
مساهمون: الشوكاني
ص٢٥٣