تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
الفصل الأول في الاجتهاد والفصل الثاني في التقليد وما يتعلق به من أحكام المفتي والمستفتي اما الفصل الأول ففيه تسع مسائل المسألة الأولى في حد الاجتهاد وهو في اللغة مأخوذ من الجهد وهو المشقة والطاقة فيختص بما فيه مشقة ليخرج عنه ما لا مشقة فيه قال في المحصول وهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في أي فعل كأن يقال استفرغ وسعه في حمل الثقيل ولا يقال استفرغ وسعه في حمل النواة واما في عرف الفقهاء فهو استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه وهو سبيل مسائل الفروع ولهذا تسمى هذه المسائل مسائل الاجتهاد والناظر فيها مجتهدا وليس هكذا حال الأصول انتهى وقيل هو في الاصطلاح بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط فقولنا بذل الوسع يخرج ما يحصل مع التقصير فان معنى بذل الوسع ان يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب ويخرج بالشرعي اللغوي والعقلي والحسي فلا يسمى من بذل وسعه في تحصيلها مجتهدا اصطلاحا وكذلك بذل الوسع في تحصيل الحكم العلمي فإنه لا يسمى اجتهادا عند الفقهاء وإن كان يسمى اجتهادا عند المتكلمين ويخرج بطريق الاستنباط نيل الأحكام من النصوص ظاهرا أو حفظ المسائل أو استعلامها من المفتي أو بالكشف عنها في كتب العلم فان ذلك وان كان يصدق عليه الاجتهاد اللغوي فإنه لا يصدق عليه الاجتهاد الاصطلاحي وقد زاد بعض الأصوليين في هذا الحد لفظ الفقيه فقال بذل الفقيه الوسع ولا بد من ذلك فان بذل غير الفقيه وسعه لا يسمى اجتهادا اصطلاحا ومنهم من قال هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي فزاد قيد الظن لأنه لا اجتهاد في القطعيات ومنهم من قال هو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه قال ابن السمعاني هو أليق بكلام الفقهاء وقال أبو بكر الرازي الاجتهاد يقع على ثلاثة معان أحدها القياس الشرعي لأن العلة لما لم تكن موجبة للحكم لجواز وجودها خاليه عنه لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب فذلك كان طريقه الاجتهاد والثاني ما يغلب في الظن من غير علة كالاجتهاد في الوقت والقبلة والتقويم والثالث الاستدلال بالأصول قال الآمدي هو في الاصطلاح استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه وبهذا القيد خرج اجتهاد المقصر فإنه لا يعد في الاصطلاح اجتهادا معتبرا وإذا عرفت هذا فالمجتهد هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي ولا بد ان يكون بالغا عاقلا قد ثبتت له ملكة يقتدر بها على استخراج الأحكام من مآخذها وانما يتمكن من ذلك بشروط الأول ان يكون عالما بنصوص الكتاب والسنة فان قصر في أحدهما لم يكن مجتهدا ولا يجوز له الاجتهاد ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب والسنة بل بما يتعلق منهما بالأحكام قال الغزالي وابن العربي والذي في الكتاب العزيز من ذلك قدر خمسمائة آية ودعوى الانحصار في هذا المقدار انما هي باعتبار الظاهر للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية اضعاف اضعاف ذلك بل من له فهم صحيح وتدبر كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال قيل ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات لا بطريق التضمن والالتزام وقد حكى الماوردي عن بعض أهل العلم ان