تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
وقد تأوله القاضي أبو يعلى على ما إذا كان القياس مع وجود النص لأنه حينئذ يكون فاسد الاعتبار ثم اختلف القائلون به أيضا اختلافا آخر وهو هل دلالة السمع عليه قطعية أو ظنية فذهب الأكثرون إلى الأول وذهب أبو الحسين والآمدي إلى الثاني واما المنكرون للقياس فأول من باح بإنكاره النظام وتابعه قوم من المعتزلة كجعفر بن حرب وجعفر بن حبشة ومحمد بن عبد الله الإسكافي وتابعهم على نفيه في الأحكام داود الظاهري قال أبو القاسم البغدادي فيما حكاه عنه ابن عبد البر في كتاب جامع العلم ما علمت أحدا سبق النظام إلى القول بنفي القياس قال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم أيضا لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة في نفي القياس في التوحيد واثباته في الأحكام الا داود فإنه نفاه فيهما جميعا قال ومنهم من أثبته في التوحيد ونفاه في الأحكام وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن داود النهراوني والمغربي والقاساني ان القياس محرم بالشرع قال الأستاذ أبو منصور اما داود فزعم أنه لا حادثة الا وفيها حكم منصوص عليه في القرآن أو السنة أو معدول عنه بفحوى النص ودليله وذلك يغني عن القياس قال ابن القطان ذهب داود واتباعه إلى أن القياس جملة وهو قولنا الذي ندين الله به والقول بالعلل باطل انتهى والحاصل ان داود الظاهري وأتباعه لا يقولون بالقياس ولو كانت العلة منصوصة ونقل القاضي أبو بكر والغزالي عن القاساني والنهرواني القول به فيما إذا كانت العلة منصوصة وقد استدل المانعون من القياس بأدلة عقلية ونقلية ولا حاجة لهم إلى الاستدلال فالقيام في مقام المنع يكفيهم وايراد الدليل على القائلين به وقد جاءوا بأدلة عقلية لا تقوم بها الحجة فلا نطول البحث بذكرها وجاءوا بأدلة نقلية فقالوا دل على ثبوت التعبد بالقياس الشرعي الكتاب والسنة والاجماع اما الكتاب فقوله تعالى « فاعتبروا يا أولي الأبصار » ووجه الاستدلال بهذه الآية ان الاعتبار مشتق من العبور وهو المجاوزة يقال عبرت على النهر والمعبر الموضع الذي يعبر عليه والمعبر السفينة التي يعبر فيها كأنها أداة العبور والعبرة الدمعة التي عبرت من الجفن وعبر الرؤيا جاوزها إلى ما يلازمها قالوا فثبت بهذه الاستعلامات ان الاعتبار حقيقة في المجاوزة فوجب ان لا يكون حقيقة في غيرها دفعا للاشتراك والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرغ فكان داخلا تحت الأمر قال في المحصول فان قيل لا نسلم ان الاعتبار هو المجاوزة فقط بل هو عبارة عن الاتعاظ بوجوه الأول انه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلي انه معتبر الثاني ان المتقدم في اثبات الحكم من طريق القياس إذا لم يتفكر في أمر معاده يقال إنه غير معتبر أو قليل الاعتبار الثالث قوله تعالى « إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار » « وإن لكم في الأنعام لعبرة » والمراد الاتعاظ الرابع يقال السعيد من اعتبر بغيره والأصل في الكلام الحقيقة فهذه الأدلة تدل على أن الاعتبار حقيقة في الاتعاظ لا في المجاوزة فحصل التعارض بين ما قلتم وما قلنا فعليكم بالترجيح ثم الترجيح معنا فان الفهم أسبق إلى ما ذكرناه سلمنا ان ما ذكرتموه حقيقة لكن شرط حمل اللفظ على الحقيقة ان لا يكون هناك ما يمنع فإنه لو قال يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا الذرة على البر كان ذلك ركيكا لا يليق بالشرع وإذا كان كذلك ثبت انه وجد ما يمنع من حمل اللفظ على حقيقته سلمنا انه لا مانع من حمله على المجاوزة لكن لا نسلم ان الأمر بالمجاوزة أمر بالقياس الشرعي بيانه ان كل من تمسك بدليل على مدلوله فقد عبر من الدليل إلى المدلول فمسمى الاعتبار مشترك فيه بين الاستدلال بالدليل العقلي