تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
القاطع وبالنص وبالبراءة الأصلية وبالقياس من الشرع وكل واحد من هذه الأنواع يخالفه الآخر بخصوصيته وما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز لا بلفظه ولا بمعناه فلا يكون دالا على النوع الذي ليس الا عبارة عن مجموع جهة الاشتراك قال وأيضا فنحن نوجب اعتبارات آخر الأول إذا نص الشارع على علة الحكم فههنا القياس عندنا واجب والثاني قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف والثالث الأقيسة في أمور الدنيا فان العمل بها عندنا واجب والرابع ان يشبه الفرع بالأصل في أن لا نستفيد حكمه الا من النص والخامس الاتعاظ والانزجار بالقصص والأمثال فثبت بما تقدم ان الآتي بفرد من افراد ما يسمى اعتبارا يكون خارجا عن عهدة هذا الأمر وثبت ان بيانه في صور كثيرة فلا يبقى فيه دلالة البتة على الأمر بالقياس الشرعي ثم قلنا جعله حقيقة في المجاوزة أولى لوجهين الأول انه يقال فلان اعتبر فاتعظ فيجعلون الاتعاظ معلول الاعتبار وذلك يوجب التغاير الثاني ان معنى المجاوزة حاصل في الاتعاظ فان الانسان ما لم يستدل بشيء آخر على حال نفسه لا يكون متعظا ثم أطال في تقرير هذا بما لا طائل تحته ويجاب عن الوجه الأول بالمعارضة فإنه يقال فلان قاس هذا على هذا فاعتبر والجواب الجواب ويجاب عن الثاني بمنع وجود معنى المجاوزة في الاتعاظ فان من نظر في شيء من المخلوقات فاتعظ به لا يقال فيه متصف بالمجاوزة لا لغة ولا شرعا ولا عقلا وأيضا يمنع وجود المجاوزة في القياس الشرعي وليس في اللغة ما يفيد ذلك البتة ولو كان القياس مأمورا به في هذه الآية لكونه فيه معنى الاعتبار لكان كل اعتبار أو عبور مأمورا به واللازم باطل والملزوم مثله وبيانه انه لم يقل أحد من المتشرعين ولا من العقلاء انه يجب على الانسان ان يعبر من هذا المكان إلى هذا المكان أو يجري دمع عينه أو يعبر رؤيا الرائي مع أن هذه الأمور ادخل في معنى العبور والاعتبار من القياس الشرعي والحاصل ان هذه الآية لا تدل على القياس الشرعي لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ومن أطال الكلام في الاستدلال بها على ذلك فقد شغل الحيز بما لا طائل تحته واستدل الشافعي في الرسالة على اثبات القياس بقوله تعالى « فجزاء مثل ما قتل من النعم » قال فهذا تمثيل الشيء بعدله وقال « يحكم به ذوا عدل منكم » وأوجب المثل ولم يقل أي مثل فوكل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا وأمر بالتوجه إلى القبلة بالاستدلال وقال « وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره » انتهى ولا يخفاك ان غاية ما في آية الجزاء هو المجيء بمثل ذلك الصيد وكونه مثلا له موكول إلى العدلين ومفوض إلى اجتهادهما وليس في هذا دليل على القياس الذي هو الحاق فرع بأصل لعلة جامعة وكذلك الأمر بالتوجه إلى القبلة فليس فيه الا ايجاب تحري الصواب في أمرها وليس ذلك من القياس في شيء واستدل ابن سريج على اثبات القياس بقوله تعالى « ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم » قالوا أولو الأمر هم العلماء والاستنباط هو القياس ويجاب عنه بأن الاستنباط هو استخراج الدليل على المدلول بالنظر فيما يفيده من العموم أو الخصوص أو الاطلاق أو التقييد أو الاجمال أو التبيين في نفيس النصوص أو نحو ذلك مما يكون طريقا إلى استخراج الدليل منه ولو سلمنا اندراج القياس تحت مسمى الاستنباط لكان ذلك مخصوصا بالقياس المنصوص على علته وقياس الفحوى ونحوه لا بما كان ملحقا بمسلك من مسالك العلة التي هي محض رأي لم يدل عليها دليل من الشرع فان ذلك ليس من الاستنباط من الشرع بما أذن الله به بل من الاستنباط بما لم يأذن الله به واستدل أيضا بقوله « إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها » الآية قال لأن القياس