تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
الذات في الخارج ويمكن ان يقال إن المنفي هو الذات الشرعية والتي وجدت ليس بذات شرعية فيبقى حمل الكلام على حقيقته وهي نفي الذات الشرعية فان دل دليل على أنه لا يتوجه النفي إليها كان توجهه إلى الصحة أولى لأنها أقرب المجازين إذ توجيهه إلى نفي الصحة يستلزم نفي الذات حقيقة بخلاف توجيهه إلى الكمال فإنه لا يستلزم نفي الذات فكان توجيهه إلى الصحة أقرب المجازين إليها فلا اجمال وليس هذا من باب اثبات اللغة بالترجيح بل من باب ترجيح أحد المجازين على الآخر بدليل وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الجبار وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وأبو عبد الله البصري إلى أنه مجمل ونقله الأستاذ أبو منصور عن أهل الرأي واختلف هؤلاء في تقرير الاجمال على ثلاثة وجوه الأول انه ظاهر في نفي الوجود وهو لا يمكن لأنه واقع قطعا فاقتضى ذلك الاجمال الثاني انه ظاهر في نفي الوجود ونفي الحكم فصار مجملا الثالث انه متردد بين نفي الجواز ونفي الوجوب فصار مجملا قال بعض هؤلاء في تقرير الاجمال اما ان يحمل على الكل وهو اضمار من غير ضرورة ولأنه قد يفضي أيضا إلى التناقض لأنا لو حملناه على نفي الصحة ونفي الكمال معا كان نفي الصحة يقتضي نفيها ونفيها يستلزم نفي الذات وكان نفي الكمال يقتضي ثبوت الصحة فكان مجملا من هذه الحيثية وهذا كله مدفوع بما تقدم الخامس لا اجمال في نحو قوله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان مما ينفي فيه صفة والمراد نفي لازم من لوازمه والى ذلك ذهب الجمهور لأن العرف في مثله قبل ورود الشرع نفي المؤاخذة ورفع العقوبة فان السيد إذا قال لعبده رفعت عنك الخطأ كان المفهوم منه أني لا أؤاخذك به ولا أعاقبك عليه فلا اجمال قال الغزالي قضية اللفظ رفع نفس الخطأ والنسيان وهو غير معقول فالمراد به رفع حكمه لا على الاطلاق بل الحكم الذي علم بعرف الاستعمال قبل الشرع وهو رفع الإثم فليس بعام في جميع أحكامه من الضمان ولزوم القضاء وغيرهما وقال أبو الحسين وأبو عبد الله البصري انه مجمل لأن ظاهره نفس رفع الخطأ والنسيان وقد وقعا وقد حكى شارح المحصول في هذه المسألة ثلاثة مذاهب أحدها انه مجمل والثاني الحمل على رفع العقاب آجلا والإثم عاجلا قال وهو مذهب الغزالي والثالث رفع جميع الأحكام الشرعية واختاره الرازي في المحصول وممن حكى هذه الثلاثة المذاهب القاضي عبد الوهاب في الملخص ونسب الثالث إلى أكثر الفقهاء من الشافعية والمالكية واختار هو الثاني والحق ما ذهب إليه الجمهور للوجه الذي قدمنا ذكره السادس إذا دار لفظ الشارع بين مدلولين ان حمل على أحدهما أفاد معنى واحدا وان حمل على الآخر أفاد معنيين ولا ظهور له في أحد المعنيين اللذين دار بينهما قال الصفي الهندي ذهب الأكثرون إلى أنه ليس بمجمل بل هو ظاهر في إفادة المعنيين اللذين هما حد مدلوليه وذهب الأقلون إلى أنه مجمل وبه قال الغزالي واختاره ابن الحاجب واختار الأول الآمدي لتكثير الفائدة قال الآمدي والهندي محل الخلاف انما هو فيما إذا لم يكن حقيقة في المعنيين فإنه يكون مجملا أو حقيقة في أحدهما فالحقيقة مرجحة وظاهره جعل الخلاف فيما إذا كانا مجازين لأنهما إذا لم يكونا حقيقتين ولا أحدهما حقيقة والآخر مجازا فما بقي إلا أن يكونا مجازين قال الزركشي والحق ان صورة المسألة أعم من ذلك وهو اللفظ المحتمل لمتساويين سواء كانا حقيقتين أو مجازين أو أحدهما حقيقة مرجوحة والآخر مجازا راجحا عند القائل بتساويهما ويكون ذلك باعتبار الظهور والخفاء انتهى والحق انه مع عدم الظهور في أحد مدلوليه يكون مجملا ولا يصح جعل تكثير الفائدة مرجحا ولا رافعا للاجمال فان أكثر الألفاظ ليس لها الا معنى واحد فليس الحمل على كثرة الفائدة بأولى من الحمل على المعنى الواحد لهذه الكثرة التي لا خلاف فيها