القسم القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الوهاب وابن فورك والكيا الطبري وغيرهم وقال ابن برهان في الأوسط اختلف أصحاب أبي حنيفة في هذا القسم فذهب بعضهم إلى أنه لا يحمل والصحيح من مذهبهم انه يحمل ونقل أبو زيد الحنفي وأبو منصور الماتريدي في تفسيره ان أبا حنيفة يقول بالحمل في هذه الصورة وحكى الطرسوسي الخلاف فيه عن المالكية وبعض الحنابلة وفيه نظر فان من جملة من نقل الاتفاق القاضي عبد الوهاب وهو من المالكية ثم بعد الاتفاق المذكور وقع الخلاف بين المتفقين فرجح ابن الحاجب وغيره ان هذا الحمل هو بيان للمطلق أي دال على أن المراد بالمطلق هو المقيد وقيل إنه يكون نسخا أي دالا على نسخ حكم المطلق السابق بحكم المقيد اللاحق والأول أولى وظاهر اطلاقهم انه لا فرق في هذا القسم بين ان يكون المطلق متقدما أو متأخرا أو جهل السابق فإنه يتعين الحمل كما حكاه الزركشي
القسم الثالث ان يختلفا في السبب دون الحكم كإطلاق الرقبة في كفارة الظهار وتقييدها بالإيمان في كفارة القتل فالحكم واحد وهو وجوب الاعتاق في الظهار والقتل مع كون الظهار والقتل سببين مختلفين فهذا القسم هو موضع الخلاف فذهب كافة الحنفية إلى عدم جواز التقييد وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أكثر المالكية وذهب جمهور الشافعية إلى التقييد وذهب جماعة من محققي الشافعية إلى أنه يجوز تقييد المطلق بالقياس على ذلك المقيد ولا يدعي وجوب هذا القياس بل يدعي انه ان حصل القياس الصحيح ثبت التقييد والا فلا قال الرازي في المحصول وهو القول المعتدل قال واعلم أن صحة هذا القول انما تثبت إذا أفسدنا القولين الأولين أم الأول يعني مذهب جمهور الشافعية فضعيف جدا لأن الشارع لو قال أوجبت في كفارة القتل رقبة مؤمنة وأوجبت في كفارة الظهار رقبة
كيف كانت لم يكن أحد الكلامين مناقضا للآخر فعلمنا ان تقييد أحدهما لا يقتضي تقييد الآخر لفظا وقد احتجوا بأن القرآن كالكلمة الواحدة وبأن الشهادة لما قيدت بالعدالة مرة واحدة وأطلقت في سائر الصور حملنا المطلق على المقيد فكذا ههنا والجواب عن الأول بأن القرآن كالكلمة الوحدة في أنها لا تتناقض لا في كل شيء والا وجب ان يتقيد كل عام ومطلق بكل خاص ومقيد وعن الثاني انا انما قيدناه بالاجماع واما القول الثاني يعني مذهب الحنفية فضعيف لأن دليل القياس وهو ان العمل به دفع للضرر المظنون عام في كل الصور انتهى قال إمام الحرمين الجويني في دفع ما قالوه من أن كلام الله في حكم الخطاب الواحد ان هذا الاستدلال من فنون الهذيان فان قضايا الألفاظ في كتاب الله مختلفة متباينة لبعضها حكم التعلق والاختصاص ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم كلام واحد مع العلم بان كتاب الله فيه النفي والاثبات والأمر الزجر والأحكام المتغايرة فقد ادعى أمرا عظيما انتهى ولا يخفاك ان اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة الحمل ولا نحتاج في مثل ذلك إلى هذا الاستدلال البعيد فالحق ما ذهب إليه القائلون بالحمل
وفي المسألة مذهب رابع لبعض الشافعية وهو ان حكم المطلق بعد المقيد من جنسه موقوف على الدليل فان قام الدليل على تقييده قيد وان لم يقم الدليل صار كالذي لم يرد فيه نص فيعدل عنه إلى غيره من الأدلة قال الزركشي وهذا أفسد المذاهب لان النصوص المحتملة يكون الاجتهاد فيها عائدا إليها ولا يعدل إلى غيره
وفي المسألة مذهب خامس وهو ان يعتبر أغلظ الحكمين في المقيد فإن كان حكم المقيد أغلظ حمل المطلق على المقيد ولا يحمل على اطلاقه الا بدليل لان التغليظ الزام وما تضمنه الالزام لا يسقط
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 165
مساهمون: الشوكاني
ص١٦٥