صل ركعتين فقال جلبائي وبعض الشافعية انه للتأكيد وذهب الأكثر إلى أنه للتأسيس وقال أبو بكر الصيرفي بالوقف في كونه تأسيسا أو تأكيدا وبه قال أبو الحسين البصري
احتج القائلون بالتأكيد بأن التكرير قد كثر في التأكيد فكان الحمل على ما هو أكثر والحاق الأقل به أولى وبان الأصل البراءة من التكليف المتكرر فلا يصار إليه مع الاحتمال ويجاب بمنع كون التأكيد أكثر في محل النزاع فان دلالة كل لفظ على مدلول مستقل هو الأصل الظاهر وبمنع صحة الاستدلال بأصلية البراءة أو ظهورها فان تكرار اللفظ يدل على مدلول كل واحد منهما أصلا وظاهرا لأن أصل كل كلام وظاهره الإفادة لا الإعادة وأيضا التأسيس أكثر والتأكيد أقل وهذا معلوم عند كل من يفهم لغة العرب وإذا تقرر لك رجحان هذا المذهب عرفت منه بطلان ما احتج به القائلون بالوقف من أنه قد تعارض الترجيح في التأسيس والتأكيد
أم لو لم يكن الفعلان من نوع واحد فلا خلاف ان العمل بهما متوجه نحو صل ركعتين صم يوما وهكذا إذا كانا من نوع واحد ولكن قامت القرينة الدالة على أن المراد التأكيد نحو صم اليوم صم اليوم ونحو صل ركعتين صل ركعتين فان التقيد باليوم وتعريف الثاني يفيدان ان المراد بالثاني هو الأول وهكذا إذا اقتضت العادة ان المراد التأكيد نحو اسقني ماء اسقني ماء وهكذا إذا كان التأكيد بحرف العطف نحو صل ركعتين وصل ركعتين لأن التكرير المفيد للتأكيد لم يعهد إيراده بحرف العطف وأقل الأحوال ان يكون قليلا والحمل على الأكثر أولى اما لو كان الثاني مع العطف معرفا فالظاهر التأكيد نحو صل ركعتين وصل الركعتين لأن دلالة اللام على إرادة التأكيد أقوى من دلالة حرف العطف على إرادة التأسيس
الباب الثاني
في النواهي وفيه مباحث ثلاثة
البحث الأول اعلم أن النهي في اللغة معناه المنع يقال نهاه عن كذا أي منعه عنه ومنه سمي العقل نهية لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع فيما يخالف الصواب ويمنعه عنه
وهو في الاصطلاح القول الإنشائي الدال على طلب كف عن فعل على جهة الاستعلاء فخرج الأمر لأنه طلب فعل غير كف وخرج الالتماس والدعاء لأنه لا استعلاء فيهما وأورد على هذا الحد قول القائل كف بقيد عن كذا وأجيب بأنه يلتزم كونه من جملة افراد النهي فلا يرد النقض به ولهذا قيل إن اختلافهما باختلاف الحيثيات والاعتبارات فقولنا كف عن الزنا باعتبار الإضافة إلى الكف أمر والى الزنا نهي وأوضح صيغ النهي لا تفعل كذا ونظائرها ويلحق بها اسم لا تفعل من أسماء الافعال كمه فان معناه لا تفعل وصه فان معناه لا تتكلم وقد تقدم في حد الأمر ما إذا رجعت إليه عرفت ما يرد في هذا المقام من الكلام اعتراضا ودفعا
البحث الثاني اختلفوا في معنى النهي الحقيقي فذهب الجمهور إلى أن معناه الحقيقي هو التحريم وهو الحق ويرد فيما عداه مجازا كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا تصلوا في مبارك الإبل فإنه للكراهة وكما قي قوله تعالى « ربنا لا تزغ قلوبنا »
فإنه للدعاء وكما قي قوله تعالى « لا تسألوا عن أشياء » فإنه للارشاد وكما قي قول السيد لعبده الذي لم يمتثل أمره لا تمتثل أمري فإنه للتهديد وكما في قوله تعالى « ولا تمدن عينيك » فإنه للتحقير وكما في قوله تعالى « ولا تحسبن الله غافلا » فإنه لبيان العاقبة وكما في قوله
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 109
مساهمون: الشوكاني
ص١٠٩