تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
الفصل الثامن اختلفوا هل القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول هذه المسألة لها صورتان الصورة الأولى الأمر المقيد كما إذا قال افعل في هذا الوقت فلم يفعل حتى مضى فالأمر الأول هل يقتضي ايقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت فقيل لا يقتضي لوجهين الأول ان قول القائل لغيره افعل هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول الأمر فعله في غيره وإذا لم يتناوله لم يدل عليه بنفي ولا اثبات الثاني ان أوامر الشرع تارة لا تستلزم وجوب القضاء كما في صلاة الجمعة تستلزمه ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال فلا يلزم القضاء الا بأمر جديد وهو الحق واليه ذهب الجمهور وذهب جماعة من الحنابلة والحنفية والمعتزلة إلى أن وجوب القضاء يستلزمه الأمر بالأداء في الزمان المعين لأن الزمان غير داخل في الأمر بالفعل ورد بأنه داخل لكونه من ضروريات الفعل المعين وقته وإلا لزم ان يجوز التقديم على ذلك الوقت المعين واللازم باطل فالملزوم مثله الصورة الثانية الأمر المطلق وهو ان يقول افعل ولا يقيده بزمان معين فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الامكان فهل يجب فعله فيما بعد أو يحتاج إلى دليل فمن لم يقل بالفور يقول إن ذلك الأمر المطلق يقتضي الفعل مطلقا فلا يخرج المكلف عن العهدة الا بفعله ومن قال بالفور قال إنه يقتضي الفعل بعد أول أوقات الامكان وبه قال أبو بكر الرازي ومن القائلين بالفور من يقول إنه لا يقتضيه بل لا بد في ذلك من دليل زائد قال في المحصول ومنشأ الخلاف ان قول القائل لغيره افعل هل معناه افعل في الزمان الثاني فان عصيت ففي الثالث فان عصيت ففي الرابع ثم كذلك أبدا أو معناه في الثاني من غير بيان حال الزمان الثالث والرابع فان قلنا بالأول اقتضى الأمر الأول الفعل في سائر الأزمان وان قلنا بالثاني لم يقتضه والحق ان الأمر المطلق يقتضي الفعل من غير تقييد بزمان فلا يخرج المكلف عن عهدته الا بفعله وهو أداء وان طال التراخي لأن تعيين بعض اجزاء الوقت له لا دليل عليه واقتضاؤه الفور لا يستلزم انه بعد أول أوقات الامكان قضاء بل غاية ما يستلزمه ان يكون المكلف آثما بالتأخير عنه إلى وقت آخر وقد استدل للقائلين بأن الأمر المقيد بوقت معين لا يقتضي ايقاع ذلك الفعل في وقت آخر بأنه لو وجب القضاء بالأمر الأول لكان مقتضيا للقضاء واللازم باطل فالملزوم مثله أم الملازمة فبينة إذ الوجوب أخص من الاقتضاء وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم واما انتفاء اللازم فلأنا قاطعون بأن قول القائل صم يوم الخميس لا يقتضي يوم الجمعة بوجه من وجوه الاقتضاء ولا يتناوله أصلا واستدل لهم أيضا بأنه لو وجب القضاء بالأمر الأول لاقتضاه ولو اقتضاه لكان أداء فيكونان سواء فلا يأثم بالتأخير وأجيب عن هذين الدليلين بأن الأمر المقيد بوقت أمر بايقاع الفعل في ذلك الوقت المعين فإذا فات قبل ايقاع الفعل فيه بقي الوجوب مع نقص فيه فكان ايقاعه فيما بعده قضاء ويرد هذا بمنع بقاء الوجوب بعد انقضاء الوقت المعين واستدل القائلون بأن القضاء بالأمر الأول بقولهم الوقت للمأمور به كالأجل للدين فكما ان الدين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعين بل يجب القضاء فيما بعده فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 106 | الشوكاني