مستغنيا عنهم ، هذا من الشاهد والدليل عليه من القرآن قوله عز وجل : ( أفمن
يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) ( 1 )
فما اتفق يوم أحسن منه ، ودخل في هذا الأمر عالم كثير .
وقد كانت لأبي جعفر مؤمن الطاق مقامات مع أبي حنيفة . فمن ذلك :
ما روي أنه قال يوما من الأيام لمؤمن الطاق : إنكم تقولون بالرجعة .
قال : نعم .
قال أبو حنيفة : فاعطني الآن ألف درهم حتى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا .
قال الطاقي لأبي حنيفة : فاعطني كفيلا بأنك ترجع إنسانا ولا ترجع خنزيرا .
وقال له يوم آخر : لم لم يطالب علي بن أبي طالب بحقه بعد وفاة
رسول الله إن كان له حق ؟
فأجابه مؤمن الطاق : خاف أن يقتله الجن كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم
المغيرة بن شعبة . وفي رواية بسهم خالد بن الوليد ( 2 ) .
هامش
( 1 ) يونس - 35
( 2 ) سعد بن عبادة : رئيس الخزرج ، وكان صاحب راية الأنصار يوم بدر
وأمير المؤمنين عليه السلام صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وآله والمهاجرين .
ولما قبض النبي صلى الله عليه وآله اجتمعت الأنصار إليه وكان مريضا فجاءوا به إلى سقيفة بني
ساعدة وأرادوا تأميره ، ولما تم الأمر لأبي بكر امتنع عن مبايعته ، فأرسل إليه أبو بكر
ليبايع فقال : لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي ، وأخضب سنان رمحي ، وأضرب
بسيفي ما أطاعني ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن تبعني ، ولو اجتمع معكم الجن والإنس ما
بايعتكم حتى أعرض على ربي . فقال عمر : لا تدعه حتى يبايع فقال بشير بن سعد : إنه
قد لج وليس بمبايع لكم حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله وطائفة من عشيرته
ولا يضركم تركه ، إنما هو رجل واحد فتركوه ، وقبلوا مشورة بشير بن سعد ، واستنصحوه
لما بدا لهم منه فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع معهم ، ويحج ولا يفيض معهم
بإفاضتهم ، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر راجع ج 3 ص 210 من تاريخ الطبري
وقال ابن أبي الحديد في ج 1 ص 540 من شرح النهج : وخرج إلى حوران فمات بها
قيل : قتله الجن لأنه بال قائما في الصحراء ليلا ، ورووا بيتين من شعر قيل : أنهما
سمعا ليلة قتله ولم ير قائلهما :
نحن قتلنا سيد الخزرج * سعد بن عبادة
ورميناه بسهمين * فلم تخطئ فؤاده
ويقول قوم : أن أمير الشام يومئذ كمن له من رماه ليلا وهو خارج إلى الصحراء
بسهمين فقتله لخروجه عن طاعة الإمام وقد قال بعض المتأخرين في ذلك :
يقولون : سعد شكت الجن قلبه * ألا ربما صححت دينك بالغدر
وما ذنب سعد أنه بال قائما * ولكن سعدا لم يبايع أبا بكر
وقد صبرت من لذة العيش أنفس * وما صبرت عن لذة النهي والأمر