الرحبة ، والناس حوله مجتمعون ، فقام إليه رجل فقال :
يا أمير المؤمنين أنت بالمكان الذي أنزلك الله به وأبوك معذب في النار ؟
فقال له علي بن أبي طالب : مه فض الله فاك ، والذي بعث محمدا بالحق نبيا
لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله فيهم ، أبي معذب في النار
وابنه قسيم الجنة والنار ؟ ! والذي بعث محمدا بالحق نبيا إن نور أبي يوم القيامة
ليطفئ أنوار الخلايق كلهم إلا خمسة أنوار : نور محمد صلى الله عليه وآله ، ونوري ، ونور
الحسن ، ونور الحسين ، ونور تسعة من ولد الحسين ، فإن نوره من نورنا خلقه الله
تعالى قبل أن يخلق آدم عليه السلام بألفي عام ( 1 ) .
* * *
هامش
( 1 ) شيخ البطحاء ، ورئيس مكة ، وشيخ قريش ، أبو طالب بن عبد المطلب
ابن هاشم بن عبد مناف ، عم الرسول وكافله ، وأبو الأئمة سلام الله عليهم أجمعين .
اسمه الشريف عبد مناف ، وقيل : " عمران " وقيل اسمه : " كنيته " والأول
أصح لقول عبد المطلب وهو يوصيه برسول الله " ص " بعده :
أوصيك يا عبد مناف بعدي * بواحد بعد أبيه فرد
وقوله أيضا :
وصيت من كنيته بطالب * عبد مناف وهو ذو تجارب
بابن الحبيب الأكرم الأقارب * بابن الذي قد غاب غير آيب
وأمه فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم ، وهي أم عبد الله والد النبي
وأم الزبير بن عبد المطلب وقد انقرض .
وأولد أبو طالب أربعة بنين : طالبا ، وعقيلا ، وجعفرا ، وعليا أمير المؤمنين
عليه السلام ، وكان كل واحد منهم أكبر من الآخر بعشر سنين ، وأمهم جميعا فاطمة
بنت أسد بن هاشم ، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي .
كان أبو طالب عليه السلام : شيخا ، وسيما ، جسيما ، عليه بهاء الملوك ، ووقار
الحكماء ، وكانت قريش تسميه : " الشيخ " ، وكانوا يهابونه ، ويخافون سطوته ، وكانوا
يتجنبون أذية رسول الله " ص " في أيامه ، فلما توفي سلام الله عليه ، اجترأوا عليه
واضطر إلى الهجرة ؟ ؟ من وطنه مكة المكرمة إلى المدينة المنورة .
قيل لأكثم بن صيفي حكيم العرب ممن تعلمت الحكمة والرياسة ، والحلم والسيادة ؟
قال : من حليف الحلم والأدب ، سيد العجم والعرب ، أبو طالب بن عبد المطلب .
وجرى ذات يوم كلام خشن بين معاوية بن أبي سفيان وصعصعة وابن الكواء ،
فقال معاوية : لولا إني أرجع إلى قول أبي طالب لقتلتكم وهو :
قابلت جهلهم حلما ومغفرة * والعفو عن قدرة ضرب من الكرم
وكان سلام الله عليه مستودعا للوصايا فدفعها إلى رسول الله " ص " ، وهو الذي
كفله وحماه من قريش ودافع عنه .
روى عن فاطمة بنت أسد : أنه لما ظهر أمارة وفاة عبد المطلب قال لأولاده : من
يكفل محمدا ؟ قالوا : هو أكيس منا ، فقل له يختار لنفسه ، فقال عبد المطلب : يا محمد
جدك على جناح السفر إلى القيامة ، أي عمومتك وعماتك تريد أن يكفلك ؟ فنظر في
وجوههم ثم زحف إلى عند أبي طالب ، فقال له عبد المطلب : يا أبا طالب إني قد عرفت
ديانتك وأمانتك ، فكن له كما كنت له .
وروي : أنه قال له : يا بني قد علمت شدة حبي لمحمد ووجدي به ، أنظر كيف
تحفظني فيه ، قال أبو طالب : يا أبه لا توصني بمحمد فإنه ابني وابن أخي ، فلما توفي
عبد المطلب ، كان أبو طالب يؤثره ؟ ؟ بالنفقة والكسوة على نفسه ، وعلى جميع أهله .
فلما بعث النبي " ص " وصدع بالأمر امتثالا لقوله تعالى : " فاصدع بما تؤمر "
ونزل قوله تعالى : " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " أجمعت قريش على خلافه
فحدب عليه أبو طالب عليه السلام ومنعه وقال :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد بالتراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وأبشر بذاك وقر منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصح * فلقد صدقت وكنت قبل أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا
وروى عن زين العابدين عليه السلام : أنه اجتمعت قريش إلى أبي طالب ورسول
الله " ص " عنده فقالوا : نسألك من ابن أخيك النصف . قال : وما النصف منه ؟ قالوا :
يكف عنا ونكف عنه ، فلا يكلمنا ولا نكلمه ، ولا يقاتلنا ولا نقاتله ، إلا أن هذه
الدعوة قد باعدت بين القلوب ، وزرعت الشحناء ، وأنبتت البغضاء . فقال : يا بن أخي
أسمعت ؟ قال : يا عم لو أنصفني بنوا عمي لأجابوا دعوتي ، وقبلوا نصيحتي ، إن الله
تعالى أمرني أن ادعوا إلى دينه الحنيفية ملة إبراهيم ، فمن أجابني فله عند الله : الرضوان
والخلود في الجنان ، ومن عصاني قاتلته حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ، فقالوا :
قل له يكف عن شتم آلهتنا فلا يذكرها بسوء ، فنزل : " قل أفغير الله تأمروني أعبد "
قالوا : إن كان صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ، ومن يكفر ، فإن وجدناه صادقا آمنا به
فنزل : وما كان الله ليذر المؤمنين " قالوا : والله لنشتمنك وإلهك فنزل : " وانطلق
الملأ منهم " قالوا : قل له : فليعبد ما نعبد ، ونعبد ما يعبد ، فنزلت سورة الكافرين .
فقالوا : قل له أرسله الله إلينا خاصة ، أم إلى الناس كافة ؟ قال بل إلى الناس أرسلت كافة :
إلى الأبيض والأسود ، ومن على رؤس الجبال ، ومن في لجج البحار ، ولأدعون ألسنة
فارس والروم ، يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا " فتجبرت قريش واستكبرت
وقالت : والله لو سمعت بهذا فارس والروم لاختطفتنا من أرضنا ، ولقلعت الكعبة حجرا
حجرا ، فنزلت : " وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا " وقوله تعالى : " ألم
تر كيف فعل ربك " فقال المطعم بن عدي : والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ،
وجهدوا على أن يتخلصوا مما تكرهه ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا .
فقال أبو طالب : والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت على خذلاني ، ومظاهرة
القوم على ، فاصنع ما بدا لك ، فوثب كل قبيلة على ما فيها من المسلمين يعذبونهم ،
ويفتنونهم عن دينهم ، ويستهزؤون بالنبي " ص " ومنع الله رسوله بعمه أبي طلب منهم
وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع في بني هاشم ، فدعاهم إلى ما هو عليه
من منع رسول الله " ص " والقيام دونه إلا أبا لهب .
وله في الدفاع عن رسول الله " ص " مواقف شهيرة وشعر رواه الفريقان ، نذكر
فيما يلي نموذجا منها :
منها : ما روى من أن أبا جهل بن هشام جاء إلى رسول الله " ص " وهو ساجد
وبيده حجر يريد أن يرميه به ، فلما رفع يده لصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد ، فقال
أبو طالب : أفيقوا بني غالب وانتهوا * عن الغي من بعض ذا المنطق
وإلا فإني إذن خائف * بوائق في داركم تلتقي
تكون لغيركم عبرة * ورب المغارب والمشرق
كما نال من لان من قبلكم * ثمود وعاد وماذا بقي
غداة أتاهم بها صرصر * وناقة ذي العرش قد تستقي
فحل عليهم بها سخطه * من الله في ضربة الأزرق
غداة يعض بعرقوبها * حساما من الهند ذا رونق
وأعجب من ذاك في أمركم * عجائب في الحجر الملصق
بكف الذي قام من خبثه * إلى الصابر الصادق المتقي
فأثبته الله في كفه * على رغمه الجائر الأحمق
أحيمق مخزومكم إذ غوى * لغى الغواة ولم يصدق
ومنها : ما روى عن ابن عباس ، أن النبي " ص " دخل الكعبة ، وافتتح الصلاة
فقال أبو جهل : من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته ؟ فقام ابن الزبعرى ،
وتناول فرثا ودما وألقى ذلك عليه " ص " فجاء أبو طالب - وقد سل سيفه - فلما
رأوه جعلوا ينهضون فقال : والله لئن قام أحد جللته بسيفي ، ثم قال : يا بن أخي من
الفاعل بك ؟ قال : هذا عبد الله فأخذ أبو طالب فرثا ودما وألقى ذلك عليه .
ومنها قوله عليه السلام يخاطب الرسول " ص " مسكنا جأشه طالبا منه إظهار دعوته
لا يمنعنك من حق تقوم به * أيد تصول ولا سلق بأصوات
فإن كفك كفي إن مليت بهم * ودون نفسك نفسي في الملمات
ومنها قوله يؤنب قريشا ويحذرهم الحرب :
ألا من لهم آخر الليل معتم * طواني وأخرى النجم لما تقحم
طواني قد نامت عيون كثيرة * وسامر أخرى ساهر لم ينوم
لأحلام قوم قد أرادوا محمدا * بظلم ومن لا يتقي البغي يظلم
سعوا سفها واقتادهم سوء أمرهم * على خائل من أمرهم غير محكم
رجاء أمور لم ينالوا انتظامها * ولو حشدوا في كل بدو وموسم
يرجون منه خطة دون نيلها * ضراب وطعن بالوشيج المقوم
يرجون أن نسخي بقتل محمد * ولم تختضب سمر العوالي من الدم
كذبتم وبيت الله حتى تفلقوا * جماجم تلقى بالحطيم وزمزم
وتقطع أرحام وتنسى حليلة * حليلا ويغشى محرم بعد محرم
هم الأسد أسد الزأرتين إذا غدت * على حنق لم تخش أعلام معلم
فيا لبني فهر أفيقوا ولم تقم * نوائح قتلى تدعى بالتندم
على ما مضى من بغيكم وعقوقكم * وإتيانكم في أمركم كل مأثم
وظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى * وأمر أتى من عند ذي العرش قيم
فلا تحسبونا مسلميه ومثله * إذا كان في قوم فليس بمسلم
فهذي معاذير وتقدمة لكم * لئلا تكون الحرب قيل التقدم
ومنها : لما رأى المشركون موقف أبي طالب عليه السلام من نصرة الرسول وسمعوا
أقواله ، اجتمعوا بينهم وقالوا ننافي بني هاشم ، ونكتب صحيفة ونودعها الكعبة : أن
لا نبايعهم ، ولا نشاريهم ، ولا نحدثهم ، ولا نستحدثهم ولا نجتمع معهم في مجمع ،
ولا نقضي لهم حاجة ، ولا نقتضيها منهم ، ولا نقتبس منهم نارا حتى يسلموا إلينا محمدا
ويخلوا بيننا وبينه ، أو ينتهي عن تسفيه آبائنا ، وتضليل آلهتنا ، وأجمع كفار
مكة على ذلك .
فلما بلغ ذلك أبا طالب عليه السلام قال ، يخبرهم باستمراره على مناصرة الرسول
ومؤازرته له ، ويحذرهم الحرب ، وينهاهم عن متابعة السفهاء :
ألا أبلغا عني على ذات بينها * لؤيا وخصا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب
وأن عليه في العباد محبة * ولا حيف فيمن خصه الله بالحب
وأن الذي لفقتم في كتابكم * يكون لكم يوما كراغية السقب
أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب
ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربا عوانا وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب
فلسنا وبيت الله نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا حرب
ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أبيدت بالمهندة الشهب
بمعترك ضنك ترى كسر القنا * به والضباع العرج تعكف كالسرب
كأن مجال الخيل في حجراته * وغمغمة الأبطال معركة الحرب
أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ومنها : أنه كان إذا نامت العيون وأخذ النبي " ص " ممضجعه ، جاءه فانهضه واضجع
عليا مكانه فقال له علي عليه السلام - ذات ليلة - : يا أبتاه إني مقتول ، فقال أبو طالب
إصبرن يا بني فالصبر أحجى * كل حي مصيره لشعوب
قد بلوناك والبلاء شديد * لفداء النجيب وابن النجيب
لفداء الأعز ذي الحسب الثاقب * والباع والفناء الرحيب
إن تصبك المنون بالنبل تترى * مصيب منها وغير مصيب
كل حي وإن تطاول عمرا * آخذ من سهامها بنصيب
فقال علي عليه السلام :
أتأمرني بالصبر في نصر أحمد * ووالله ما قلت الذي قلت جازعا
ولكنني أحببت أن ترى نصرتي * وتعلم أني لم أزل لك طائعا
وسعيي لوجه الله في نصر أحمد * نبي الهدى المحمود طفلا ويافعا
هذا نزر يسير من مواقف أبي طالب " ع " ومؤازرته الرسول " ص " ومقاومته
للمشركين ، وله كثير من أمثالها في دفاعه عن محمد ، وعن دين محمد ، وعن قرآن محمد
وعن اتباع محمد ، فهلا يأخذك العجب بعد اطلاعك على هذا وشبهه من أقوال أبي طالب
وأفعاله ، ألا تستغرب بعد هذا لو سمعت بعصابة أثرت فيها الروح الأموية الخبيثة ،
فدفعها خبث عنصرها ، ورداءة نشأتها ، وجرها الحقد إلى القول بأن أبا طالب " ع "
مات كافرا ! ! وإن تعجب فعجب قولهم : أبو طالب يموت كافرا ؟ ! !
أبو طالب الذي يقول :
ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا
يموت كافرا ؟ ! !
أبو طالب الذي يقول ، ليعلم خيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح بن مريم
أتانا بهدى مثل ما أتيا به * فكل بأمر الله يهدي ويعصم
يا لله ويا للعجب قائل هذا يموت كافرا ! !
أبو طاب الذي يقول :
ألا تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب
ويقول مخاطبا رسول الله " ص " :
أنت النبي محمد * قرم أغر مسود
ويقول :
قل لمن كان من كنانة في العز * وأهل الندى وأهل المعالي
قد أتاكم من المليك رسول * فاقبلوه بصالح الأعمال
ويقول :
فخير بني هاشم أحمد * رسول الإله على فترة
وهو الذي يقول :
لقد أكرم الله النبي محمدا * فأكرم خلق الله في الناس أحمد
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد
ويقول :
إن ابن آمنة النبي محمدا * عندي بمنزلة من الأولاد
ويقول :
صدق ابن آمنة النبي محمد * فتميزوا غيظا به وتقطعوا
إن ابن آمنة النبي محمد * سيقوم بالحق الجلي ويصدق
أبو طالب الذي يقول :
يا شاهد الله علي فاشهد * آمنت بالواحد رب أحمد
من ظل في الدين فإني مهتدي
كل هذا وأبو طالب مات كافرا ! !
إذا كان الإيمان بالتوحيد والإقرار بنبوة محمد لا تكفي في إيمان الرجل ، ويكون
معتقدها والمقر بها كافرا ، فما هو الإسلام إذن ؟ !
إذا كان الذب عن الرسول والاعتراف بنبوته كفرا فما هو الإسلام ؟ طبعا يقول
لسان حال تلك العصابة في الجواب :
الإيمان أن تتمكن في نفسك مبادئ أبي سفيان ، وتؤمن بالذي يحلف به أبو
سفيان وتقول كما قال : " ما من جنة ولا نار "
أبو طالب مات كافرا ، وأبو سفيان مات مسلما .
هكذا يقولون كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا !
ويقولون الذين كفروا هؤلاء أهدي من الذين آمنوا سبيلا !
وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا .
أبو سفيان الذي حزب الأحزاب ضد النبي " ص " والذي ما قامت راية كفر
لحرب رسول الله " ص " إلا وهو قائدها وناعقها ، والذي لم يزل يعلن الحرب والعداء
لمحمد ، ودين محمد ، وإله محمد ، وكتاب محمد ، حتى فتح مكة فدخل الإسلام عليه رغم
أنفه ، ولم يدخل في قلبه ، وأظهر الإسلام وأبطن الكفر ، على العكس مما كان عليه
أبو طالب تماما .
أبو سفيان الذي أصر على محو اسم محمد رسول الله يوم صلح الحديبية يموت مسلما
وأبو طالب الذي يعترف برسالة محمد ويقول : هو رسول كموسى وعيسى يموت كافرا !
أبو سفيان الذي يقول - حين انتهت إليهم الخلافة بمحضر من عثمان - :
يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة ، والذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار
يموت مسلما ، والذي يعترف بالبعث والنشور يموت كافرا !
روي عن ابن عباس قال : والله ما كان أبو سفيان إلا منافقا ، ولقد كنا في
محفل فيه أبو سفيان وقد كف بصره ، وفينا علي عليه السلام ، فأذن المؤذن فلما قال :
أشهد أن محمدا رسول الله " ص " ، قال : هاهنا من يحتشم ؟ قال واحد من القوم : لا . فقال :
لله در أخي هاشم انظروا أين وضع اسمه ، فقال على " ع " : أسخن الله عينك يا أبا سفيان
الله فعل ذلك بقوله عز من قائل : " ورفعنا لك ذكرك " فقال أبو سفيان : أسخن الله
عين من قال : ليس هاهنا من يحتشم .
والعجيب أنهم يقولون عنه إنه مات مسلما ، وأبو طالب مات كافرا ، ،
لعنوا بما قالوا ، نحن أعلم بما يقولون ، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، فاصبر
على ما يقولون .
وأكثر من هذا عجبا ، وأبعد منه غرابة ، ما لفقته تلك العصابة ، وافترته على
الرسول من أنه " ص " - وحاشاه - قال عنه إنه في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه ،
وإنه منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه .
ولا أدري وليتني أبدا لا أدري لماذا يستحق أبو طالب هذا العذاب ؟
ألأنه دافع عن رسول الله " ص " أم هو الحقد ، والبغض لابن أبي طالب الذي
لعنته بالشام سبعين عاما * لعن الله كهلها وفتاها
ثم هل تريد أن أزيدك وأزودك من أمثال هذه الأضاليل والأباطيل ، فأذكر لك
ما رواه الزهري عن عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت : كنت عند رسول الله " ص "
إذ أقبل العباس وعلي فقال : يا عائشة إن هذين يموتان على غير ملتي ، أو قال : ديني .
وفي أخرى بنفس السند عنها أيضا قالت كنت عند النبي فقال : يا عائشة إن سرك
أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا ، فنظرت فإذا العباس
وعلي بن أبي طالب .
أسمعت هذا وبعد فهلا ترفع يدك إلى الدعاء وتقول معي :
" اللهم ادخلني النار التي يقطن فيها علي بن أبي طالب ، واجعلني في الضحضاح
الذي فيه أبو طالب ، ولا تدخلني الجنة التي يدخل فيها أبو سفيان ، ومعاوية بن أبي سفيان ،
ويزيد بن معاوية فسلام على تلك النار ، ولعنة الله على هذه الجنة " .
ولولا أبو طالب وابنه * لما مثل الدين شخصا فقاما
فذاك بمكة آوى وحامى * وذاك بيثرب خاض الحماما
فلله ذا فاتحا للهدى * ولله ذا للمعالي ختاما
توفي سلام الله عليه في " 26 " رجب في آخر السنة العاشرة من مبعث النبي " ص "
ورثاه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله :
أبا طالب عصمة المستجير * وغيث المحول ونور الظلم
لقد هد فقدك أهل الحفاظ * فصلى عليك ولي النعم
ولقاك ربك رضوانه * فقد كنت للطهر من خير عم