قال له اليهودي : فإن هذا سليمان أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ؟
فقال علي عليه السلام : لقد كان كذلك ، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا
إنه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الأرض قبله ، وهو : ميكائيل فقال له : يا محمد عش
ملكا منعما وهذه مفاتيح خزائن الأرض معك ، ويسير معك جبالها ذهبا وفضة ،
ولا ينقص لك مما ادخر لك في الآخرة شئ ، فأومى إلى جبرئيل - وكان خليله
من الملائكة - فأشار عليه ، أن تواضع فقال له : بل أعيش نبيا عبدا آكل يوما
ولا آكل يومين ، والحق بإخواني من الأنبياء فزاده الله تبارك وتعالى الكوثر ،
وأعطاه الشفاعة ، وذلك أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى آخرها سبعين مرة ،
ووعده المقام المحمود ، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله عز وجل على العرش ، فهذا
أفضل مما أعطي سليمان .
قال له اليهودي : فإن هذا سليمان قد سخرت له الرياح ، فسارت به في
بلاده غدوها شهر ورواحها شهر ؟
قال له علي عليه السلام : لقد كان كذلك ، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من
هذا : إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر ، وعرج به
في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام ، في أقل من ثلث ليلة ، حتى انتهى
إلى ساق العرش ، فدنى بالعلم فتدلى من الجنة رفرف أخضر ، وغشى النور بصره
فرأى عظمة ربه عز وجل بفؤاده ، ولم يرها بعينه ، فكان كقاب قوسين بينه وبينها
أو أدنى ، فأوحى الله إلى عبده ما أوحى ، وكان فيما أوحى إليه : الآية التي في
سورة البقرة قوله : " لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو
تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير " ( 1 )
وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث الله تبارك
وتعالى محمدا ، وعرضت على الأمم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها ، وقبلها رسول الله وعرضها
على أمته فقبلوها ، فلما رأى الله تبارك وتعالى منهم القبول علم أنهم لا يطيقونها ،
هامش
( 1 ) البقرة - 284 .