والوسط ، الخيار والعدول ، فهم خير الأمم وأعدلهم في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم
ونياتهم ، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسول على أممهم يوم القيامة ، والله تعالى يقبل
شهادتهم عليهم فهم شهداؤه ، ولهذا نوه بهم لرفع ذكرهم وأثنى عليهم ، لأنه تعالى لما
اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء ، وأمر ملائكته أن
تصلي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم ، والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم
وصدق فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به ، كما قال تعالى : ( إلا من شهد بالحق وهم
يعلون ) .
وقال تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر
وتؤمنون بالله )
ويدخل في الخطاب الصحابي من باب أولى فلقد شهد بأنهم يأمرون بكل معروف
وينهون عن كل منكر
وقال تعالى : ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم ، وما جعل عليكم في الدين
من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي خذا ليكون الرسول شهيدا
عليكم ، وتكونوا شهداء على الناس )
فأخبر تعالى أنه اجتباهم ، والاجتباء كالاصطفاء ، وهو افتعال من " اجتبى الشئ
يجتبيه " ، إذا ضمه إليه وحازه إلى نفسه ، فهم المجتبون الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله
وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين ، ولهذا أمرهم تعالى ت أن يجاهدوا فيه حق
جهاده ويبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالنحبة والعبورية ، ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا
على كل ما سواه ، كما اختارهم على من سواهم ، فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الذي
يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم ، فيؤثرونه في كل حال على
من سواه كما اتخذهم فبيده وأولياءه وأحباءه ، وآثرهم بذلك على من سواهم ، ثم أخبرهم
تعالى انه يسر عليهم دينه غاية التيسير ، ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتة لكمال محبته لهم
ورأفته ورحمته وحنانه بهم ، صم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم ، وهي إفراده
تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض
والاستسلام ، فيكون تعلق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره ، ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك
الإصابة — صفحة 18
مساهمون: ابن حجر العسقلاني
ص١٨