ما كان يومك يا أبا إسحاق * إلا وداعي للمنى وفراقي ( 1 )
وهذا إن دل على شئ ، فإنه يدل على رحابة صدر المرتضى وسعة أفقه وشريف
نظرته الإنسانية التي تعبر عن قلبه الشفيق الرحيم العطوف على هذه النفوس البشرية
المعذبة بويلات العصبية الرعناء والطائفية البغيضة ، والعنعنات الباطلة ، المنبعثة من
الجهل المطبق ، وضيق الأفق المحدود ، فالمرتضى كان له أسوة حسنة في جده الرسول
الأعظم وأهل بيته الكرام وأصحابه الأجلة ، المرددين قول رب الخلق أجمعين :
" يا أيها الناس ، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ،
إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .
أما شغف المرتضى بجمع الكتب وولعه باقتنائها فيكفينا أن نذكر أن خزانته
ضمت ثمانين ألف مجلد من مصنفاته ومحفوظاته ومقروءاته ، على ما حصره وأحصاه
صديقه أبو القاسم التنوخي ( 2 ) .
وقد قومت هذه الكتب بثلاثين ألف دينار على ما ذكره الثعالبي في كتابه
يتيمة الدهر ، هذا بعد أن أهدى الشريف من هذه الكتب إلى الرؤساء
والوزراء شطرا ، وسيأتيك ذكر مؤلفاته الخاصة في فهرست كتبه .
دراسته وشيوخه :
تتلمذ المرتضى على كثير من علماء عصره في مختلف العلوم والفنون ، فإنه درس
هامش
( 1 ) هذه المرثية مثبتة في هذا الديوان ، وهي تكذب ما نسبه إليه بعض الرواة دون مبالاة من أنه
لما نقل إليه رثاء أخيه الشريف الرضي للصابي بالقصيدة المشهورة التي مطلعها :
أرأيت من حملوا على الأعواد ؟ * أرأيت يوم خبا ضياء النادي ؟
قال الشريف المرتضى ( على ما زعم ) نعم ما حملوا إلا كلبا .
( 2 ) راجع روضات الجنات ص 383 والتنوخي : هو أبو القاسم علي بن المحسن القاضي صاحب
المرتضى وتلميذه ، ولد بالبصرة سنة 365 ه وولي القضاء بالمدائن ، وكان متحفظا في الشهادة محتاطا
صدوقا في الحديث توفي " سنة 447 " ودفن في داره بدرب التل ، وقد كتب عنه الخطيب البغدادي
وصلى على جنازته .