الكون بأسره معني بمجئ ملكوت الله ، فإن النظرة إلى نهاية الأزمنة تمتد على قدر الخليقة
نفسها .
مثل هذه النظرة هي نظرة تشاؤم وتفاؤل في الوقت نفسه : هي نظرة تشاؤم لأنها تلح في زوال
العالم الحاضر وفساده ، وهي نظرة تفاؤل لأنها تؤكد نصر الله آخر الأمر ، وإن ظهر أن الشر منتصر . إنها
تنشط على وجه خاص في أيام الأزمة ، علما بأن المؤلفات أنشئت في عهود الاضطهادات .
[ النظرات الخاصة لرؤيا يوحنا ]
اعتمدت رؤيا يوحنا معظم ما في الأدب الرؤيوي من أساليب وبنيات ، ولكن لا يمكن أن
تعاد إليها على وجه تام .
فهناك جزء من المؤلف هام لم يأت في صيغة الفن الرؤيوي ، وهو الرسائل إلى كنائس آسية
السبع ( رؤ 2 - 3 ) . فهي أقرب إلى الوعظ النبوي المألوف ، إذ أن الكاتب ، كما الأمر هو في الأدب
النبوي ، يذكر اسمه ويوجه بلاغة إلى أهل عصره .
تتميز رؤيا يوحنا قبل كل شئ ، من معظم مؤلفات الأدب الرؤيوي بتفسيرها الديني للتاريخ
وبما جعلته المراكز الحقيقية لما صرفت إليه اهتمامها .
1 ) التفسير المسيحي للتاريخ : أخذت نظرة يوحنا إلى آخر الأزمنة بطائفة من الأمور
الجوهرية التي استيقنها التفكير اللاهوتي المسيحي في أول نشأته . فالعصر الجديد الذي أعلنه وانتظره
الأدب الرؤيوي اليهودي قد افتتح ساعة قيامة المسيح . لقد ابتدأت الأزمنة الأخيرة ووهبت الخيرات
العائدة إلى المسيح ، فقد أفيض الروح على كل بشر ( راجع رسل 2 / 16 - 21 ) ، ولقد قام المسيحي
مع المسيح ( قول 3 / 1 ) . ولكن مجئ الملكوت قد تم على نحو سري ، فهو لا يزال موضوع وحي
ولا يدرك إلا بالإيمان وهو يسير نحو تحقيقه التام وتجليه المجيد .
إن يوم الرب ، بحسب هذه النظرة المسيحية ، يصبح مضاعفا ، فهو يدل من جهة على حدث
قيامة المسيح وارتفاعه في الربوبية ، وهو من جهة أخرى لا يزال منتظرا لأنه المجئ الثاني ، أي الظهور
الشامل الساطع لملكوت الله بظهور مسيحه . هناك ، إلى حين ، توافق بين " الوقت الحاضر " و " العصر
الجديد " . فالكنيسة هي في الوقت الحاضر ، ولكنها من العهد المستقبل : إنها حقيقة أخيرية ، أي في
الوقت نفسه تمام النبوات والباكورة النبوية لنهاية الأزمنة .
2 ) موضوع الرؤى : لما كانت نهاية الأزمنة قد بدأت ، فإن معنى القطيعة التقليدية بين
العصر الحاضر وعصر جديد لم يبق على ما كان ، فهي لا توحي ما كانت توحي من تعاقب مرحلتين ،
بل توحي بالأحرى التمييز بين نظامين هما النظام التاريخي ونظام نهاية الأزمنة .
فليس غاية الرؤى ، من بعد اليوم ، الدلالة على سياق نهاية الأزمنة لتمهيد الطريق لمجئ " يوم
الرب " . إنها تهتم ، أكثر من ذي قبل ، بالأمور الخفية العجيبة التي قد بدأ عهدها وأخذت تمنح .
لقد أصبح للتفكير اللاهوتي الذي يتناول المسيح والكنيسة مكان الصدارة على الوصف الرؤيوي . إن
الكتاب المقدس — صفحة 795
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٧٩٥