للرب في كبد التاريخ ، وهذا الاعلان هو في الوقت نفسه دعوة ونداء إلى إطاعة عمل الله .
غرض الارشاد ، في الأدب النبوي التقليدي ، مباشر ، ومن عادته أن يكون صريحا .
فالأنبياء ، إذ يذكرون الشعب دعوته ومصيره السامي ، يعلنون ما يفرضه العهد بينه وبين الله في الوقت
الحاضر . وإحياء ذكرى عظائم الماضي يؤيد وصية الوفاء لله ، وغاية التبشير ببركات جديدة أو الانذار
بالعقوبات هي بعث العزم الفوري على الاصلاح الروحي والخلقي .
إن الحث في الأدب الرؤيوي على الوفاء أو التوبة هو أيضا جوهري ، ولكنه أقل وضوحا لأول
وهلة . يتوقع أن تبلغ الرؤى أسرار التاريخ ، فهي تكشف عن السياق الذي لا هوادة فيه للمراحل
الأخيرة لتدبير الله ، وهي تشير إلى قدوم العهد الجديد وما يمهد له على نحو خفي عجيب ، وتضئ
للمؤمن ليعرف حقيقة ما ترتهن به تقلبات الحاضر . ولكن مثل هذا الكشف يقوم مقام تنبيه ، فإنه
يحفظ رجاء المضطهدين وينعش شجاعة الفاترين ويدعو الضالين إلى التوبة .
إن التوبة والوفاء في الوعظ النبوي هما شرط استمرار العهد . وأما في الرؤيا فإن الكشف عن نصر
الله آخر الأمر يتضمن وصية الثبات والدعوة إلى التأهب .
4 ) موضوع الاستعجال وتقديم التاريخ وانتحال الأسماء : يظهر البلاغ الوارد في الرؤى بمظهر
الأمر القريب الوقوع ، على نحو أشبه بالقول النبوي ، ولكن بطرق أخرى . فإن القارئ يدعى إلى
تحسس دنو " يوم الرب " والدينونة .
يشار إلى هذا الدنو بطرق أكثرها شيوعا في الاستعمال : هي تقديم تاريخ الأمور المكشوف عنها
ونسبتها إلى أسماء منحولة . يقال إن هذه الأمور كشف عنها في الماضي لشخص مشهور وتناقلتها بعدئذ
سلسلة من العارفين ، وعثر عليها على نحو عجيب ( راجع على سبيل المثال رؤيا باروك وسفر أسرار
أخنوخ وارتفاع موسى والسفر الرابع لعزرا ) . وما يزعم من أن أصلها قديم باهر يؤكد عظم شأنها ،
وهو يمكن صاحبها من أن يلون بلون المستقبل سيرة تاريخية تمت في الحقيقة يوم نشر البلاغ . ولما
كانت الأحداث التي وقعت لعهد قريب ترد في رموز شفافة محكمة الصنع ، بين العلامات الأخيرة
لقدوم النهاية ، يسوغ للقراء الذين يحسنون حساب التواريخ أن يتوقعوا مشاهدة انتصار الأبرار وعقاب
الفجار بعد وقت قليل .
الغاية من مثل هذا الاعلان واضحة ، فإن اقتراب عهد النهاية يجعل للحاضر شأنا عظيما : فهو
يغذي الحماسة ويشجع على اتخاذ الالتزامات الفورية .
5 ) تفسير العالم والتاريخ : ينظر الوعظ النبوي إلى سير التدبير الإلهي في أثناء وقت متواصل
المرور وفي ميدان مصير الشعب المختار في التاريخ ، في حين أن الأدب الرؤيوي يفترض قطيعة تصل
إلى الجذور ، بين العهد الحاضر ، وقد وسمته الخطيئة ، وهو تحت وطأة قوى الشر ، وبين المستقبل
الذي فيه يتم النصر المطلق لله ولمختاريه . سيعقب الحاضر ، وهو عهد نزاع ومحنة ، ظهور حاسم
ولا نهاية له للنظام الإلهي . ليس تحقيق ذلك من باب المصادفة ولا يرتبط بتفاعل الإرادات
البشرية ، لأن الله وحده سيد التاريخ وديانه .
الكتاب المقدس — صفحة 794
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٧٩٤