[ مدخل ]
إن الكلمة التي يبتدئ بها هذا السفر في اليونانية هي مصدر لفعل معناه " كشف الستار " . فالرؤيا
هي نوع من الكشف ، والأدب الرؤيوي أشبه بالتقليد النبوي ، وهو تطور له خاص ، ظهر تأثيره قبل
كل شئ في الأدب الكتابي في القرن الثاني قبل المسيح ( راجع دانيال 3 - 12 ) ، وقد عثر على ما
مهد له الطريق عند حزقيال ويوئيل وزكريا وأشعيا 24 - 27 .
[ المميزات العامة للفن الأدبي الرؤيوي ]
1 ) صيغة الكشف : إن الفن الأدبي الرؤيوي ، وإن انتسب حينا بعد حين إلى رؤى ، يمتاز
على الخصوص بالقول النبوي ، وهو قول من لدن الله يبلغه النبي بلاغ من سمعه من قبل أو من يشعر
به لوقته . فإن رجل الله في الأدب الرؤيوي هو بالأحرى رجل رؤيا : فقد رأى السماء " مفتوحة " أو
حظي بنوع من " الارتفاع " أدخله الملأ الأعلى وآتاه أن يعاين أمورا ليس من العادة أن تدرك . ولذلك
يبلغ البلاغ في صيغة وصف وتفسير لما استشفه ، فالصورة تقدم على الكلام فلا يفسح في المجال
للكلام إلا في سبيل تمثيل رمزي يقصد عادة إبراز معناه أو استكماله بذلك الكلام .
2 ) استعمال الرموز : من طبيعة الأمور السماوية التي يراها رجل الرؤيا أن تكون من رتبة
سامية لا قياس بينها وبين الإنسان . فمن الطبيعي إذا أن يتعذر تمثيلها كما هي أو أن تحدد تحديدا دقيقا .
إذا أراد الكاتب أن يوحي عالم ذلك الذي يختلف عنا اختلافا تاما وعالم القدس الذي أدخله ،
لا يستطيع إلى ذلك سبيلا إلا بمحاولات متدرجة ، فيعبر عما يشعر به بتشبيهات فريدة في نوعها ،
مؤثرة غريبة في بعض الأحيان ، يجد لها أمثلة كثيرة في التجليات التي وردت في الكتاب المقدس أو في
التمثيليات الدينية في العالم الإغريقي الشرقي أو في طقوس العبادة .
والغاية من الرمزية هي أن تكشف أيضا عن الطابع السري للبلاغ وعن إظهار ما لتبليغه من
صفة الامتياز . يزعم الأدب الرؤيوي ، بما فيه من الرموز والتلميحات بالأرقام والإعلانات في صيغة
الغاز ، أنه يخاطب أناسا عارفين ، إذ لا يستطيع الوصول إلى تفهم الأسرار الإلهية سوى الذين دعوا
إلى ذلك . وهكذا يوحي الكاتب ما لبلاغه من شأن عظيم ، وهو يثير في نفس القارئ أشد التشوق إلى
الاطلاع عليه .
3 ) موضوع الرؤى : إن الشعور الديني عند اليونانيين يبتغي على الخصوص معرفة الحقائق
السامية أو تأمل الأمور المثلى ، في حين أن الوحي في الكتاب المقدس يعلن تدبير الله والحضور الفعال
الكتاب المقدس — صفحة 793
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٧٩٣