ليس ذكر دار الحاكم دليلا على أن الرسالة كتبت في رومة . فإن كلمة " دار الحاكم " كانت في
أيام بولس تدل أيضا على منزل حاكم وما يعود إليه من دوائر وعلى محكمته والسجن : وهكذا كان
الأمر في أفسس . والعبارة " حشم قيصر " لا تعني حتما أقارب القيصر ، بل قد تعني عبيده والذين
اعتقهم وكانوا كثرا في أفسس . ومن المعقول جدا أن بضعة منهم قد اهتدوا ، فكان من الطبيعي أن
يستمروا على علاقاتهم ببولس .
لو كان لدينا أدلة أخرى على أن بولس أسر في أفسس ، لكاد يكون أمرا واضحا أن الرسالة إلى
أهل فيلبي كتبت في هذه المدينة ، قبل الرسالتين إلى أهل قورنتس . يتعذر علينا بت المسألة ، استنادا
إلى ما نعلمه في الوقت الحاضر . قد نأسف للأمر ، وعلى الخصوص لأن تحديد مكان كتابتها يؤدي إلى
تحديد زمانها ، ولو على وجه التقريب . فإن كانت الرسالة قد كتبت في أفسس ، عاد زمن كتابتها إلى
السنة 56 أو 57 ، فلا نسمع في هذه الحال نبرة بولس بعد ما شاخ ، ولكن نبرة رجل في وطيس
المعركة ، وندرك أيضا على نحو أفضل لماذا تظهر وجوه الشبه في المعنى بين هذه الرسالة وبين الرسائل
الكبرى ، بل والرسالتين إلى أهل تسالونيقي وسائر " رسائل بولس من السجن " .
[ صحة الرسالة واكتمالها ]
ما من أحد يطعن طعنا ذا بال في صحة نسبة الرسالة هذه إلى بولس ، في حين أن هناك أناسا
يشكون في وحدتها ، فيرون أنها نتيجة دمج بطاقتين أو عدة بطاقات كانت مستقلة قبلا ، وإن كان
بولس هو الذي وجهها إلى أهل فيلبي . فبعضهم يميز على الخصوص رسالة شكر ( 1 / 1 - 3 / 1
و 4 / 10 - 23 ) ورسالة تحذير من المسيحيين المتهودين ( 3 / 1 - 4 / 9 ) . صحيح أن الفصل بين 3 / 1
و 3 / 2 يأتي على وجه مباغت جدا ، ولكن قد يفسر ذلك أن بولس كان يملي رسائله في عدة أوقات .
واقترح غيرهم تقطيعا مختلفا للرسالة ، فجعلوا أجزاءها أقل طولا . ولكن ما من اقتراح واحد يبدو مقنعا
على وجه تام . وبوسع المرء أن يلاحظ تكرير موضوع الفرح في الرسالة كلها . وهناك أدلة أخرى على
وحدة كامنة تجعل القارئ يرى في هذه الفصول الأربعة شيئا يختلف عن الفسيفساء .
[ أسلوب التفكير ]
ليست هذه الرسالة مقالا له تصميم مرتب ترتيبا منطقيا ، ولكن بوسعنا أن نوجز سير الفكر فيها
بما زدنا في الترجمة من العناوين في أعلى الفقرات . يشعر بولس ، على بعده ، أنه قريب من
أصدقائه ، وهو يفتتح رسالته بموضوع يظل حاضرا طوال الرسالة ، وهو الاتحاد الأخوي في المسيح ،
ينبوع الفرح . كان أسيرا لا يدري ما سيكون مصيره . ولكن ، أيا كانت عاقبة أسره ، فإنه على يقين أن
قضية الإنجيل ستخرج معززة . وقد رأى منذ اليوم تباشير ظفر المسيح . يرغب في العودة إلى سعيه
الرسولي ويدعو أصدقاءه إلى خوض المعركة بشجاعة . فليقوموا بعملهم ، وهم يعنون بالمحافظة على
الوحدة في التواضع والخدمة . ولقد استشهد ، ليحثهم على ذلك ، بنص له أهمية خاصة ، وهو نشيد
الكتاب المقدس — صفحة 605
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٦٠٥