عليكم النعمة والسلام من لدن الله أبينا والرب
يسوع المسيح .
[ بولس ومسيحيو رومة ]
8 أبدأ بشكر إلهي بيسوع المسيح في أمركم
أجمعين ، لأن إيمانكم يعلن في العالم كله .
9 فالله الذي اعبد ( 12 ) في روحي ( 13 ) ، مبشرا
بابنه ، يشهد لي أني لا أنفك أذكركم 10 وأسأل
دائما في صلواتي أن يتيسر لي يوما ما الذهاب
إليكم ، إن شاء الله . 11 فإني مشتاق إلى رؤيتكم
هامش
( 12 ) راجع روم 15 / 16 + .
( 13 ) " روح " يستعمل بولس هذه الكلمة بأربعة
معان رئيسية : روح الله أو الروح القدس ( أكثر من عشرين
نصا في روم ) ، وروح الإنسان ( نحو عشرين نصا في مجمل
رسائل بولس ، منها هذه الآية ) ، وروح العالم أو روح الشر
على وجوه مختلفة ( روم 11 / 8 و 1 قور 2 / 12 واف 2 / 2 و 2
طيم 1 / 7 ) ، ونفس الرب المبيد ( 2 تس 2 / 8 ، عن اش
11 / 4 ) . نقتصر هنا على عرض وجيز لفكر بولس في هذا
الأمر :
يتعذر أحيانا علينا أن نعرف هل هذه النصوص أو تلك
تعود إلى الفئة الأولى أو الثانية ، بحسب بعض المفسرين في روم
12 / 11 على سبيل المثال ، لا بل في روم 8 / 4 ( الطاعة
للجسد أو للروح ) ، أو في روم 8 / 5 ( الذين يسلكون سبيل
الجسد والذين يسلكون سبيل الروح : راجع أيضا 2 قور 6 / 6
واف 4 / 3 الخ ) . وتظهر حيرة المترجمين في جعل كلمة
" روح " اسم علم أو جعلها اسم جنس . وهذه الصعوبة تظهر
صعوبة أخرى أشد : فما هي الصلة ، في نظر بولس ، بين
روح الله ( = الآتي من الله ) وروح الإنسان ( = الذي هو
خاصة كل خليقة بشرية ( روم 1 / 9 و 8 / 16 و 1 قور 2 / 11
و 5 / 3 - 4 وغل 6 / 18 وفل 4 / 23 و 1 تس 5 / 23 وف
25 ، الخ ) ؟ يشدد بعض المفسرين على التوافق العميق بين
روح الله وروح الإنسان الذي يحدثه الله ويوجهه ، ويشير
بعضهم الآخر بالأحرى إلى اهتمام بولس بالتمييز بين هذين
الروحين ( كذا في روم 8 / 16 ) ، والرسول ، كما كان الأمر في
العهد القديم ، لا يشدد على القرابة الجوهرية القائمة بين روح
الله وروح الإنسان بقدر ما يشدد على سيادة الأول على
الثاني . هذا وأن روح الله لا يستولي على روح الإنسان ( روم
8 / 16 ) أو عقله فقط ( روم 5 / 5 ) ، بل على كيانه كله .
الروح " يسكن " في المسيحيين ( روم 8 / 9 ) لا بل في أجسادهم
( 1 قور 6 / 19 ) كما يسكن في الكنيسة ( 1 قور 3 / 16 ) . إن
فعل " سكن " وغيره من الأفعال ، ويعود أصله إلى العهد
القديم ، يصف حضور الروح بأنه حقيقي ( لا يبقى الروح
خارجا عما يسكن فيه ) ، ولكنه يبقى مختلفا عنه ( فالروح لا
يصبح هو والذي يسكن فيه واحدا ) . يصح هذا في الجسد
البشري وفي الكنيسة التي هي جسد المسيح .
يقول بولس إن " أعمال " روح الله ( أو روح المسيح : روم
8 / 9 وفل 1 / 19 وغل 4 / 6 الخ ) لا حد لها . في العهد القديم
وفي الأناجيل ، يظهر الروح في أغلب الأحيان في المعجزات
أو الخوارق ، في حين أنه ، في الرسالة إلى الرومانيين ، يعمل
في حياة الكنيسة والمؤمنين العادية من أولها إلى آخرها . سبق
للروح إن كان حاضرا في قيامة يسوع ( روم 1 / 4 ) ، وسيكون
حاضرا في القيامة الأخيرة ( روم 8 / 11 ) ، مضفيا طابعه على
تدبير العهد الجديد بالنظر إلى العهد القديم ( غل 3 / 3
و 4 / 29 وحز 36 / 27 ) ، ومولدا الإيمان ومحققا إياه ( 1 تس
1 / 5 و 4 / 8 وغل 3 / 2 و 1 قور 12 / 3 ) ، ومنعشا الصلاة
البنوية ( غل 4 / 6 وروم 8 / 15 - 16 واف 6 / 18 ) ، والحياة
الجديدة في الفرح ( 1 تس 1 / 6 وروم 14 / 17 ) والمحبة ( غل
5 / 16 - 25 ) من أجل التقديس ( 2 تس 2 / 13 ) . وفي
الكنيسة كذلك ، يعبر عن " ظهور الروح الواحد " في تنوع
المواهب ووحدتها ( 1 قور 12 ) ، إذ ليس هناك إلا جسد
واحد وروح واحد ( أف 4 / 4 ) . وكما أن الخدمات الأساسية
الثلاث عند بولس ( الرسل والأنبياء والمعلمون ) هي " هبة "
من الروح أيضا ، يجوز القول بأن بنية الكنيسة وأعمالها حتى
الثانوية منها ( التكلم بلغات والتنبؤ وموهبة الشفاء الخ ) هي
أيضا من هبات الروح .
كثيرا ما اضطر بولس إلى التدخل لإعادة الوحدة الروحية
( فل 2 / 1 - 2 و 1 قور 3 / 1 - 4 ) والنظام في الكنائس . ولقد
قام بهذا الدور مذكرا بأن الحياة الروحية تفقد أصالتها إذا
انفصلت عن سيرة يسوع المسيح . فمن ناحية أولى ، ذكر
بولس أهل قورنتس خاصة بأنه إذا صح أن الروح قد غمرهم
بمواهبه ، فإنه قد وهب " أولا " للرسل ليعرفوا ويعرفوا النعم التي
أعطيت للناس في يسوع المسيح ( 1 قور 2 / 10 - 16 ) ، الأمر
الذي وضح العلاقة القائمة بين الروح وعمل المسيح التاريخي
والخدمة الكنسية . ومن ناحية ثانية ، وفي الرسالة إلى أهل
رومة ، يبين الرسول أن روح الحرية والتبني والصلاة هو
" عربون " ( روم 8 / 23 ) العالم الجديد ، وأن المسيحيين الذين
أشركهم في حياة المسيح القائم من الموت ( روم 8 / 11 )
يستطيعون ، بل يجب عليهم ، أن يقطعوا كل صلة بالعبوديات
الشرعية والجسدية ، الأمر الذي يوضح العلاقة القائمة بين
الروح وسلوك المؤمنين في الوقت الحاضر وتمجيدهم الأخير .