ينتقد هذه الأحوال في حد ذاتها ، فكأن في ذلك دليلا على أنه يجدها طبيعية .
غير أن إسرائيل هذا ، وقد أصبح المستفيد من المواعد في يسوع " الرب المسيح " ، عليه أن ينفتح
للأمم بطرق عملية لم يوح بها يسوع ولا الله إلى المؤمنين اليهود . فالله نفسه يتدخل في اهتداء القلف
الأولين ، قرنيليوس وأنسبائه في قيصرية ( 10 / 1 ) . فهو يكشف لبطرس أن مخالطة هؤلاء الناس
المطهرين بالإيمان ومجالستهم إلى المائدة لا يمكن أن تكونا لليهودي سبب " نجاسة " ( 10 / 28 و 35 ) .
والكنيسة اليهودية المسيحية في أورشليم قد سلمت بهذا الحدث ورحبت به ( 11 / 18 ) ، ولكن بعض
أعضائها فسروه على أنه شذوذ عن القاعدة ، فقد أرادوا بعد مدة أن يفرضوا على اليونانيين المهتدين في
أنطاكية ( 11 / 20 - 21 ) الختان والشريعة كما تفرض أمور ضرورية للخلاص ( 15 / 1 و 5 ) . ولعل
في ذلك وسيلة جذرية لحل المشاكل التي طرحها التعايش والجلوس إلى مائدة واحدة بين اليهود وغير
اليهود في الكنائس . ففي نظر مؤلف سفر أعمال الرسل ، ظهر حل هذه المشاكل حلا تاما في قيصرية ،
وهو يصف الانتصار بارتياح ظاهر في أورشليم ( 15 / 4 - 29 ) ، أجل ، لقد تم هذا الانتصار
بالتراضي ( 15 / 19 ) ، علما بأن هذا التراضي ينقذ روح " المشاركة " في الكنيسة . ولكن الجوهر بقي
سالما . فسواء كان ختان أم لا ، لا يخلص المسيحيون إلا بالإيمان وبنعمة الرب يسوع ( 15 / 9
و 11 ) .
فلأي سبب يبقى اليهودي المسيحي محافظا على الختان والشريعة ؟ لا يذكر المؤلف شيئا من
ذلك ، ولعله لم يطرح على نفسه هذا السؤال . وعلى كل ، يبدو أنه لم يول هذا السؤال أهمية كبرى ،
لاعتقاده أن الخلاص ، بعد أن رفض الإنجيل معظم اليهود ( 13 / 46 ) ، معروض منذ اليوم للوثنيين
خصوصا ، إن لم نقل لهم وحدهم ( 28 / 28 - 30 ) .
[ لمن ولماذا سفر أعمال الرسل ؟ ]
من هم القراء الذين قصدهم المؤلف ، وما هي الأسباب التي حملته على تأليف كتابه ؟ لهذين
السؤالين أهمية كبرى في سبيل تفهم الناحية التاريخية والعقائدية من تأليف كتابه .
الراجح أن المؤلف لم يستثن اليهود من حلقة قرائه ، فلعل في قلوب بعضهم وقعا لموضوع إتمام
الكتب ولما كان للمسيحيين المختونين من ولاء لليهودية . ولكنه من غير المحتمل أن يكون سفر أعمال
الرسل موجها خصوصا إلى قراء يهود ، فالمؤلف يفرط في تشديده على رفض إسرائيل للإنجيل وعلى
مسؤولية اليهود في موت يسوع ( 2 / 23 و 3 / 13 - 15 و 13 / 27 - 29 ) وعلى العقبات التي اعترضت
الرسالة المسيحية . فالرأي أن المقصودين هم قراء وثنيون رأي أشد قبولا لأول وهلة ، فلهم يعرض
الخلاص في آخر الأمر ( 28 / 28 ) . وأما بولس ، المرسل المسيحي الرئيسي ، فهو مواطن روماني منذ
مولده ( 16 / 37 ) ، والمحاكم الرومانية لا تنفك تعترف ببراءته ( 18 / 15 ) . وذلك صواب ، لأن
" الطريقة " التي يبشر بها ليست حركة سياسية ثورية ( 17 / 7 ) ولا دينا جديدا غير شرعي ( 18 / 13 ) .
فإذا كان يستبعد أن يكون سفر أعمال الرسل مرافعة يراد بها الدفاع عن بولس أمام محكمة الإمبراطور ،
فمن المعقول أن نعتقد أن المؤلف وضع هذا الكتاب ظنا منه أنه قد يفيد القراء الذين كانوا لا يزالون
وثنيين .
الكتاب المقدس — صفحة 371
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٣٧١