بأخبار الكتاب الكثيرة . وإذا أراد أن يقيمها ، وجب عليه أن يكتفي بطرق النقد الداخلي المحض ،
لعدم توفر طرق التحقيق الخارجي .
وقد يكتشف هذا النقد ، هنا وهناك ، بعض آثار التنافر أو التوتر في الروايات ، ويبدو أنها
صادرة ، إما عن ارتياب أو نقص في ما لدى المؤلف من الأخبار ، وإما عن قصد حمله على تحوير أو
تفسير الأخبار التي حصل عليها من المراجع . ومعقولية الروايات تشكل مقياسا آخر ، ولكنه خطير
الاستعمال ، لأن الاعتبارات التي يأخذ بها ليست كلها من النوع التاريخي . فأصعب المسائل هي
مسألة الخوارق ولا سيما روايات المعجزات . أجل ، إنه من الممكن ، لا بل من الأرجح ، حينا بعد
آخر ، إن المؤلف أو مراجعه قد بالغت في هذا الجانب من رواية بعض الأحداث . ولكن يجب على
النقد ألا ينسى أن المعجزات كانت ذات شأن هام في المسيحية القديمة ( روم 15 / 18 و 2 قور
12 / 12 وعب 2 / 4 ) . ففي هذه الأحوال ، وفضلا عن اهتداء بولس ، فإن سفر أعمال الرسل يرسم
صورة لأمور حقيقية تثبتها شواهد أخرى .
إن تاريخية الخطب في سفر أعمال الرسل تطرح مسائل أشد تعقدا من مسائل الأقسام الروائية .
فلا يخفى على أحد أن المؤرخين القدماء كانوا يعدون أمرا طبيعيا أن يؤلفوا ، بكثير أو قليل من
التصرف ، ما يجعلون من الخطب على ألسنة الأشخاص الذين يتكلمون عليهم . إن قصر أكثر خطب
أعمال الرسل لا يسمح بأن نرى فيها خطبا مختزلة أو ذكريات حفظت بكاملها . فهناك أمور غير معقولة
أو وجوه شبه في اللغة والتفكير بين الخطب والروايات ، تدل على تدخل المؤلف في إنشاء الخطب .
لكن هذه الملاحظات لا تجيز لنا أن ننكر عليها كل قيمة وثائقية . فهناك أسباب وجيهة تحملنا على
الاعتقاد على سبيل المثل أن البنية الإجمالية وبعض المواد التي نجدها في الخطب الرسولية أو في خطاب
بولس إلى شيوخ أفسس ( 20 / 18 - 38 ) تعكس بأمانة مختلف أساليب إعلان البشارة المسيحية . أما
سائر الخطب ، فإنها مقبولة على العموم ، ولكن التقدير الصحيح لقيمتها التاريخية متوقف إلى حد
بعيد على الثقة المولاة لأخبار المؤلف ولا سيما " ليوميات السفر " .
وهناك ناحية أخيرة لسفر أعمال الرسل من جهة كونه وثيقة تاريخية لا بد من لفت النظر إليها ، هي
إغفاله بعض الأمور . فالكتاب على سبيل المثل لا يقول شيئا في إنشاء كنائس كثيرة يذكرها
( 28 / 13 ) ولا يفوه بكلمة عما وقع من خلافات بين بولس وكنيسة قورنتس ( 19 / 1 ) . فإغفال هذه
الأمور وغيرها ، أيا كانت أسبابه ، يدل على أن أعمال الرسل ليست تاريخا عاما للمسيحية القديمة ولا
سيرة كاملة لبولس .
[ التفكير اللاهوتي في سفر أعمال الرسل ]
إذا قلنا أن سفر أعمال الرسل ليس إلا وثيقة تاريخية ، ضللنا الطريق . إنه يستنير بنور الإيمان وهو
يفسر التاريخ الذي يرويه . فالخطب أولا " تقرأ " على طريقتها التاريخ الماضي الذي تستحضره عندما
تسنح الفرصة ، أو حتى هذا الحادث الحاضر أو ذاك ( 2 / 16 - 21 و 33 و 14 / 10 - 12 و 11 / 17
الخ ) . لكن هذا التفسير في ضوء الإيمان يبرز أيضا في الأقسام الروائية التي يتدخل فيها الله تدخل
عامل في الأحداث المروية ، فهو يعمل عن يد ملاكه أو روحه أو عن يد المرسلين المسيحيين . إن نمو
الكتاب المقدس — صفحة 367
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٣٦٧