ويرجعوا إلى الطاعة . وإمساك المطر عنهم سيبعد بينهم وبين الترف لأن الترف
أصل أصيل في إفساد الفطرة وإفقاد القلوب تلك الحساسية المرهفة التي تتلقى
وتتأثر وتستجيب ، وإمساك المطر يؤدي بالإنسان إلى دائرة التضرع ، ليكون
التضرع مدخلا إلى التوبة . وروي أن الله تعالى أمسك عنهم المطر ثلاث سنوات
حتى جهدوا وأجدبوا وقحطوا . فأبوا إلا تماديا فيما هم عليه ، وازدادوا عتوا وتمردا
وعنادا ( 28 ) وعلى امتداد زمن القحط كان هود عليه السلام يدعوهم كي يستغفروا
الله فيرسل سبحانه السماء عليهم مدرارا ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله
غيره إن أنتم إلا مفترون * يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي
فطرني أفلا تعقلون * ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم
مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ) ( 29 ) .
لقد دعاهم وقوتهم التي يستندون عليها تئن تحت ضربات القحط . دعاهم
إلى عبادة الله وحده وأخبرهم أنه لا يسألهم على ما يدعوهم إليه أجرا حتى يتهموه
بأنه يريد بدعوته منفعة تعود إليه أو تضربهم ، وهو إنما يبغي ثوابه من الذي فطره ،
من الله الذي أوجده وأبدعه ، ودعاهم إلى تعقل ما يقوله لهم . حتى يتضح لهم أنه
ناصح لهم في دعوته ، وأنه ما يريد إلا أنه يحملهم على الحق . كما دعاهم إلى
طلب المغفرة من الله وأن يتوبوا ويرجعوا إليه بالأعمال الصالحة ، حتى يرحمهم
بإرسال سحب هاطلة ممطرة يحيي بها الأرض وينبت الزرع والعشب . ويزدهم قوة
الإيمان إلى قوة الأبدان ، وأخبرهم أن عبادتهم التي اتخذوها من دون الله إحرام
منهم ومعصية توجب نزول السخط الإلهي عليهم ، وفي الآية دلالة على أنهم
كانوا مبتلين بإمساك السماء والجدب وهذا في قوله : ( يرسل السماء عليكم )
وكذا قولهم في موضع آخر : ( فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا
عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ) ( 30 ) كما أن الآية بها
إشعار أن هناك ارتباطا تاما بين الأعمال الإنسانية وبين الحوادث الكونية التي تمر .
فالأعمال الصالحة توجب فيضان الخيرات ونزول البركات ، والأعمال الطالحة
هامش
( 28 ) الميزان : 306 / 10 ، ابن كثير : 225 / 2 .
( 29 ) سورة هود ، الآيات : 50 - 52 .
( 30 ) سورة الأحقاف ، الآية : 24 .