والأقيشر هو الذي وضع مبادئ الزندقة في شعره . وأعلن أنه يشرب الخمر
على المنبر . ويقف على الناس خطيبا . لا ليبصرهم بشؤون دينهم . ولا ليحثهم
على مكارم الأخلاق . وإنما ليقلب لهم الأوضاع الدينية والأخلاقية
والاجتماعية ( 58 ) . وإذا كان الأقيشر قد اكتفى بإلقاء الشعر وتربية أجيال عليه .
فإن ( حنين الحيري ) وكان معاصرا للأقيشر . قد قام بتوسيع ، هذه الدائرة .
وخاصة إنه كان يجمع بين الشعر والغناء . وحنين الحيري كان يتخير لشعره
الأوزان الخفيفة القصيرة والسريعة الانتشار . وكان يتجنب الأوزان الطويلة
الضخمة ليكون شعره صالحا للتحين والغناء . وهذا الاتجاه الموسيقي ازداد
اتجاه الشعراء خلفه . وبخاصة شعراء اللهو . حتى أصبح بدعا فنيا بينهم . وسمة
من السمات المميزة لفنهم ( 59 ) وحنين في عالم بني أمية صاغ منهجه بوضوح يقول
الدكتور يوسف خليفة : عندما بدأ في نشر رسالته اللاهية التي زينها للناس . بدأ
وكأنه يقول لهم : هذه هي حياتي فهل تحبون أمثالها . إنه نداء غير مباشر إلى حياة
تقوم على المتعة المتحررة . وما من شك في أن هذا النداء وأمثاله كان يؤثر في
نفوس الكثير من الشباب . ويخلب ألبابهم ويلفت أنظارهم إلى أن الحياة تشيع
فيها البهجة والمتعة . وتسيل الخمر بين أيدي الندامى في ظلال الطبيعة . وفعلا
استجاب كثير من الشباب إلى هذا النداء الساحر . الذي يوقعه مغنيهم على
قيثارته . ومضوا يغرقون همومهم في هذه الحياة الصاخبة المعربدة . لعل رنين
كؤوسها وصخب سكارها ينسيهم أنين الجرحى وعويل الثكالى - في العهد
الأموي - ومضى التيار في ترفعه ورياح المجتمع الجديد تدفعه . والناس من
حوله يغرقون أنفسهم وفنهم فيه ( 60 ) .
لم يكن هذا يحدث في بقعة واحدة من خيمة بني أمية . إنما كان يحدث
في بقاع شتى . يقول صاحب حياة الشعر : فالأديرة كانت مقصدا لطلاب الخمر
من المسلمين . ويتاح لهم فيها حظ كبير من الحرية والشراب واللهو مع من
هامش
( 58 ) حياة الشعر : 597 الشعر في الأغاني : 11 / 268 ، 269 .
( 59 ) حياة الشعر : 599 .
( 60 ) حياة الشعر : 598 .