قال المفسرون : المراد بالقرية : أهل القرية . بدليل قوله بعد ذلك :
( أهلكناهم ) وفي الآية تقوية لقلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وتهديد
لأهل مكة وتحقير لأمرهم . فلقد أخبر سبحانه . أنه أهلك قرى كثيرة كل منها أشد
قوة من قريتهم ولا ناصر لهم ينصرهم ( 207 ) وفي الآية تهديد شديد ووعيد أكيد
لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فإذا كان الله عز
وجل قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم وكانوا أشد قوة من هؤلاء .
فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والآخرة ( 208 ) وعلى الرغم من أن
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأخرج بعد أن رفض معسكر الانحراف
الهدى . فإن تلاميذ هذا المعسكر قاموا بوضوح الإسلام في صورة المعتدي من
يومه الأول . لم يتبين التلاميذ أن طلائع النهار قد تركوا وراء ظهورهم الأرض
والأموال وتركوا جحافل الليل تمتع بما تريد . ولم يفهم التلاميذ أن الله كان يمكن
أن يخزي أعداء دينه ويمكن لرسوله في مكة . ولكنه تعالى لم يفعل ذلك لأن
صراطه المستقيم يقوم على أن لا إكراه في الدين . لقد رفضوا الدين وعندما
أقيمت عليهم الحجة أخرج الرسول من باب الإخراج وليس من باب الخروج . لم
يفهم التلاميذ ذلك لأنهم يسيرون في طريق الطمس وطريق القهقري الذي يتجه
إلى الآباء وليس فيه علم يرى . بل أهواء يلوكها ذئاب الطابور الأول ثم تتلقفها
كلاب الطابور الأخير .
خامسا : الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة :
1 - الدعوة في المدينة :
هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بعد أن أخرجه الذين
كفروا من مكة بغير حق . وفي المدينة قام ببناء مسجده بعد أن آخا بين المهاجرين
والأنصار بصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلا . فلقد قامت المؤاخاة بتذويب جميع
الفوارق بين الإنسان وأخيه الإنسان . في المدينة بدأ النبي صلى الله عليه وآله
هامش
( 207 ) الميزان 232 / 18 .
( 208 ) ابن كثير : 175 / 4 .