يخفى على ذي نظر . فإنهم طالبوه بأمور عظام ، لا يقوى على أكثرها إلا القدرة
الغيبية الإلهية . وفيها ما هو مستحيل بالذات كالإتيان بالله والملائكة قبيلا . ولم
يرضوا بهذا المقدار ولم يقنعوا به دون أن جعلوه هو المسؤول المتصدي لذلك .
المجيب لما سألوه . فلم يقولوا لن نؤمن لك حتى تسأل ربك أن يفعل كذا وكذا .
بل قالوا : ( لن نؤمن لك حتى تفجر ) ( أو تكون لك . . . ) ( أو تأتي بالله )
إن أرادوا منه ذلك بما أنه بشر . فأين البشر من هذه القدرة المطلقة غير المتناهية .
المحيطة حتى بالمحال الذاتي . وإن أدوا منه ذلك بما أنه يدعي الرسالة .
فالرسالة لا تقتضي إلا حمل ما حمله الله من أمره وبعثه لتبليغه بالإنذار والتبشير لا
تفويض القدرة الغيبية إليه وإقداره أن يخلق كل ما يريد . ويوجد كل ما شاؤوا .
وهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يدعي لنفسه ذلك . فاقتراحهم ما اقترحوه مع
ظهور الأمر من عجيب الاقتراح . ولذلك أمره تعالى أن يبادر في جوابهم أولا إلى
تنزيه ربه مما يلوح إليه اقتراحهم هذا . من المجازفة وتفويض القدرة إلى النبي
صلى الله عليه وآله وسلم . ولا يبعد أن يستفاد منه التعجب . فالمقام صالح
لذلك . وثانيا . إلى الجواب بقوله في صورة الاستفهام ( هل كنت إلا بشرا
رسولا ) وهو يؤيد كون قوله : ( سبحان ربي ) واقعا موقع التعجب . أي : إن
كنتم اقترحتم على هذه المور وطلبتموها مني بما أنا محمد . فإنما أنا بشر ولا قدرة
للبشر على شئ من هذه الأمور . وإن كنتم اقترحتموها لأني رسول ادعي
الرسالة . فلا شأن للرسول إلا حمل الرسالة وتبليغها لا تقلد القدرة الغيبية
المطلقة .
قد ظهر بهذا البيان أن كلا من قوله " بشرا " و " رسولا " دخيل في استقامة
الجواب عن اقتراحهم . أما قوله : " بشرا " فليرد به اقتراحهم عيه أن يأتي بهذه
لآيات عن قدرته في نفسه . وأما قوله : " بشرا " فليرد به اقتراحهم عليه أن يأتي بهذه
مكتسبة من ربه ( 152 ) .
هامش
( 152 ) الميزان : 205 / 13 .