صلى الله عليه وآله وسلم . وفي توصيف الآيات بالبينات نوع عتبى كأنه قيل : إذا
تتلى عليهم هذه الآيات . وهي بينة لا ريب فيها . فبدلا من أن يدعوا عامتهم إلى
اتباعها . حثوهم على الاصرار على تقليد آبائهم وحرضوا عليه - وفي إضافة الآباء
إلى ضمير " كم " مبالغة في التحريض والإثارة وقالوا لأتباعهم : ليس هذا إلا
كلاما مصروفا عن وجهه . مكذوبا به على الله . بدلا من أن يقولوا : إنها آيات
بينات نازلة من عند الله تعالى . والذين كفروا بعثهم الكفر إلى أن يقولوا للحق
الصريح الذي بلغهم وظهر لهم . هذا سحر ظاهر سحريته وبطلانه . والحال أنا
لم نعطهم كتبا يدرسونها حتى يميزوا بها الحق من الباطل . ولم نرسل إليهم قبلك
رسول ينذرهم ويبين لهم ذلك . فيقولوا استنادا إلى الكتاب الإلهي أو إلى قول
الرسول النذير : إنه حق أو باطل ( وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما
آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ) أي : وكذب بالحق من الآيات ، الذين
كانوا من قبل كفار قريش . من الأمم الماضية . ولم يبلغ كفار قريش عشر ما
آتيناهم من القوة والشدة . فكذب أولئك الأقوام رسلي ، فكيف كان أخذي
بالعذاب ، وما أهون أمر قريش . قل لهم : إنما أوصيكم بالعظة أن تنهضوا .
وتنتصبوا لوجه الله . متفرقين حتى يصفوا فكركم ويستقيم رأيكم اثنين اثنين .
وواحدا واحدا . وتتفكروا في أمري . فقد صاحبتكم طول عمري على سداد من
الرأي . وصدق وأمانة . ليس في جنة . ما أنا إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد
يوم القيامة . فأنا ناصح لكم غير خائن ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم . . . )
كناية عن عدم سؤال أجر على الدعوة . فإنه إذا وهبهم كل ما سألهم من أجر .
فليس له عليهم أجر مسؤول . ولازمه أن لا يسألهم . وهذا تطييب لنفوسهم . أن
لا يتهموه بأنه جعل الدعوة ذريعة إلى نيل مال أو جاه . ثم تمم القول بقوله : ( إن
أجري إلا على الله وهو على كل شئ شهيد ) لئلا يرد عليه قوله بأنه دعوى غير
مسموعة فإن الإنسان لا يروم عملا بغير غاية . فدفعه . بأن لعملي أجر . لكنه
على الله لا عليكم وهو يشهد عملي وهو على كل شئ شهيد ( 148 ) .
لقد أرادوا تهييج العامة والغوغاء ، فأمرهم الإسلام بالتفرق وتجنب التجمع
والغوغاء . فإن الغوغاء لا شعور لها ولا فكر . وكثير ما تميت الحق وتحيي
هامش
( 148 ) الميزان : 389 / 16 .