تخلف مراده عن إرادته . لكنا نعبد غيره ونحرم أشياء فليس يشاء شيئا من ذلك
فلا نهي ولا أمر منه تعالى . ولا شريعة ولا رسالة من قبله .
هذا تقرير حجتهم على ما يعطيه السياق ومغزى مرادهم . أن عبادتهم لغير
الله وتحريمهم لما حرموه . وبالجملة عامة أعمالهم . لم تتعلق بها مشيئة من الله
بنهي ولو تعلقت لم يعملوها ضرورة . وقوله تعالى : ( كذلك فعل الذين من
قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) خطاب للنبي صلى الله عليه وآله
وسلم . يأمره أن يبلغ رسالته بلاغا مبينا . ولا يعتني بما لفقوه من الحجة فإنها
داحضة والحجة التامة عليهم بالبلاغ . فقوله : ( كذلك فعل الذين من قبلهم ) أي على هذا الطريق الذي سلكه هؤلاء . سلك الذين من قبلهم . فعبدوا غير الله
وحرموا ما لم يحرم الله . ثم إذا جاءتهم رسلهم ينهونهم عن ذلك قالوا : ( لو شاء
الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا . . ) وقوله : ( فهل على الرسل إلا
البلاغ المبين ) أي بلغهم الرسالة بلاغا مبينا تتم به الحجة عليهم . فإنما وظيفة
الرسل البلاغ المبين . وليس من وظيفتهم أن يلجئوا الناس إلى ما يدعونهم إليه
وينهونهم عنه . ولا أن يحملوا معهم إرادة الله الموجبة التي لا تتخلف عن
المراد . ولا أمره الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون . حتى يحولوا بذلك الكفر
إلى الإيمان . ويضطروا العاصي على الطاعة .
فإنما الرسول بشر مثلهم . الرسالة التي بعث بها إنذار وتبشير . وهي
مجموعة قوانين اجتماعية . أوحاها إليه الله . فيها صلاح الناس في دنيا هم
وآخرتهم . صورتها صورة الأوامر والنواهي المولوية . وحقيقتها الإنذار والتبشير
قال تعالى : " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم
إني ملك " ( 84 ) فهذا ما أمر به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغهم . وقد أمر
به نوحا ومن بعده من الرسل عليهم السلام أن يبلغوه أممهم ( 85 ) ولقد بعث الله
تعالى في كل أمة رس . ل . وما كانت حقيقة بعث الرسول إلا أن يدعوهم إلى عبادة
الله واجتناب الطاغوت ومن الدليل على ذلك آثار الأمم الماضية الظالمة التي
هامش
( 84 ) سورة الأنعام ، الآية : 50 .
( 85 ) الميزان : 241 / 12 .