والرسالة الخاتمة قامت بتحطيم العجول بالحجة التي توقظ الفطرة وتغذي الفكر .
لقد أخبرهم القرآن في أكثر من موضع بأنهم كانوا وآباؤهم في ضلال مبين .
وأخبرهم أن آباء هم وأبناءهم لا يدرون أيهم أقرب لهم نفعا ( 81 ) . وأن الإيمان
الصادق بالله واليوم الآخر لا يجامع موادة أهل المحادة والمعاندة من الكفار ولو
قارن أي سبب من أسباب المودة كالأبوة والبنوة والأخوة وسائر أقسام القرابة - فبين
الإيمان وموادة أهل المحاداة تضاد لا يجتمعان لذلك ( 82 ) .
ولكن الحلف السلفي ظل متمسكا بمنطق آبائه الذي لا يخدم إلا
مخططات الشيطان من أجل هدم الإنسان . وكما أن تمسكهم بأعلام الآباء يخدم
الشيطان . إلا أنه في الوقت ذاته يحقق لهم السير في الحياة وفقا لأهوائهم التي
تستقيم مع معطيات كل عصر . فهم يعربدون لتغذية أهواءهم الحاضرة تحت
مظلة سنة الآباء الماضية . وفي صدر الرسالة المحمدية حاول الانحراف السلفي
أن يحاصر الرسالة بأدوات حاضرهم لحساب ماضيهم . فبدأوا بالتشكيك في
الرسالة تارة والدخول من باب القضاء والقدر تارة أخرى .
ويخبر الله تعالى بأن فصائل الانحراف قد قالوا : ( وقال الذين أشركوا لو
شاء الله ما عبد من دونه من شئ نحن . لا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ ) ثم
صرف الله الخطاب عنهم لسقوط فهمهم وقال لنبيه : ( كذلك فعل الذين من
قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين * ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا
الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا
في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) ( 83 ) قال المفسرون : فكأنهم
يقولون : لو كانت الرسالة حقة . وكان كما جاء به الرسل من النهي عن عبادة
الأصنام والأوثان والنهي عن تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة وغيرها . نواهي لله
سبحانه . كان الله سبحانه شاء أن لا نعبد شيئا غيره . وأن لا نحرم من دونه شيئا .
ولو شاء الله سبحانه أن لا نعبد غيره ولا نحرم شيئا . لم نعبد ولم نحرم . لاستحالة
هامش
( 81 ) سورة النساء ، الآية : 11 .
( 82 ) سورة المجادلة ، الآية : 22 .
( 83 ) سورة النحل ، الآيتان : 35 - 36 .