السريانيين ، يقال : ابن الكنعانيين ، وولد [ عليه السلام ] بكوثى ، وقيل : ولد
بهرمزجرد ، ثم انتقل إلى كوثى من أرض بابل ، وأمه [ عليه الصلاة والسلام ]
يونا بنت كرنيا بن كوثى ، من بني أرفخشاذ بن سام ، ويقال : بل اسمها أبيونا
وأنها من ولد أفرام بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن أرفخشاذ .
وكان أبوه ( 1 ) على أصنام الملك نمروذ ، ولسانهم السريانية ، وبينه
عليه السلام ، وبين نوح [ عليه السلام ] عشرة قرون ، وولد ولأبيه من العمر
سبعون سنة ، وخرج به أبوه بعد ما تزوج بسارة ، ومعه لوط فسكن حران ،
وبها [ مات ] أبوه .
وكان قد أراه الله تعالى ملكوت السماوات والأرض ، وكاد أصنام
قومه ( 2 ) ، وحاجهم في إثبات الله تعالى ( 3 ) ، فألقوه في النار ، فصارت بردا
هامش
( 1 ) عن مجاهد قال : آزر صنم ، ليس بأبيه ، وفي التوراة : " إبراهيم بن تارح " . وهذا قول مردود ،
فقد قال تعالى : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آذر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين )
[ الأنعام : 74 ] ، وهذا هو الحق . وقال بعضهم : آزر هو تارح ، وأحدهما اسم ، والآخر لقب ،
وليس ببعيد . ( المرجع السابق ) .
( 2 ) أخذ إبراهيم قدوما وأتاها ليلا وكسرها وعلق القدوم على عنق صنم الشمس وهو أكبرها - حيث قد
كانوا سموها بأسماء الكواكب - فلما رأوها قالوا : ( من فعل هذا بآلهتنا ) [ الأنبياء : 59 ] ، قال
رجل منهم : سمعت إبراهيم يذكرها ، فأتوا إبراهيم فقالوا : من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ قال لهم :
سلوا كبيرهم هذا ( إن كانوا ينطقون ) [ الأنبياء : 63 ] . ( المرجع السابق ) .
( 3 ) عن كعب الأحبار قال : رأى إبراهيم عليه السلام قوما يأتون نمروذ الجبار فيصيبون منه طعاما ،
فانطلق معهم ، فكان مر بالنمروذ رجل قال له : " من ربك ؟ " قال : " أنت ربي " ، وسجد له
إعظاما له ، فأعطاه حاجته ، حتى مر به إبراهيم فقال : من ربك ؟ قال : ( ربي الذي يحيي
ويميت ) قال : ( أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من
المغرب فبهت الذي كفر ) [ البقرة : 258 ] ، وخرج إبراهيم ولم يعطه شيئا ، فعمد إبراهيم إلى
تراب فملأ به وعاءه ودخل به منزله ، وأمر أهله أن لا يحلوه ، ووضع رأسه فنام ، فحلت امرأته
الوعاء فإذا هو أجود دقيق رأت . ( المرجع السابق ) .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني أبو الأحوص بن عبد الله قال : خرج قوم إبراهيم إلى عيد
لهم فمروا عليه فقالوا : يا إبراهيم ، ألا تخرج معنا ؟ قال : ( إني سقيم ) [ الصافات : 89 ] . وقد
كان قبل ذلك قال : ( وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ) [ الأنبياء : 57 ] . فسمعه
إنسان منهم فلما خرجوا إلى عيدهم انطلق إلى أهله فأخذ طعاما ثم انطلق إلى آلهتهم فقر به إليهم
( فقال ألا تأكلون * مالكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين ) [ الصافات : 91 - 93 ]
فكسرها إلا كبيرا لهم ، ثم ربط في يده الفأس الذي كسر به آلهتهم .
فجاهرهم عند ذلك وقال : ( أتعبدون ما تنحتون ) ؟ [ الصافات : 95 ] ، ( أفتعبدون
من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله )
[ الأنبياء : 66 - 67 ] . ( المرجع السابق ) .
عن عكرمة في قوله تعالى ( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) [ الأنبياء : 96 ] أن نار
الدنيا كلها لم ينتفع بها أحد من أهلها ، فلما أخرج الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام من النار
زاده الله في حسنه وجماله سبعين ضعفا .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عنه قال : كانت البغال تتناسل ،
وكنت أسرع الدواب في نقل الحطب لحرق إبراهيم عليه السلام فدعا عليها ، فقطع الله نسلها .
وكانت الضفادع مساكنها القفار فجعلت تطفئ النار عن إبراهيم عليه السلام فدعا لها فأنزلها الله
الماء ، وكانت الأوزاغ تنفث عليه النار فلعنها فصارت ملعونة ، فمن قتل منها أجر . ( المرجع
السابق ) .
وعن ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه قال : لما ألقي بإبراهيم عليه السلام في
النار قال : حسبي الله ونعم الوكيل . ( المرجع السابق ) .
وقال الزبير بن بكار : حدثني عبد الرحمن بن المغيرة قال : لما رأى الناس أن إبراهيم عليه
السلام لا تحرقه النار قالوا : ما هو إلا عرق الندى وما نعرفه ، ألا ترى ما تضره النار ولا تحرقه ؟
فسمي عرق الندى . ( المرجع السابق ) .
وقال مقاتل : أول من اتخذ المنجنيق نمروذ ، وذلك أن إبليس جاءهم لما لم يستطيعوا أن
يدنوا من النار التي أضرمها لرمي إبراهيم عليه السلام فيها ، فقال : أنا أدلكم ،
فاتخذ لهم المنجنيق ، صنعه له رجل من الأكراد يقال له : هبون . وكان أول من صنع المنجنيق ،
فخسف الله به الأرض ، وجئ بإبراهيم عليه السلام فخلعوا ثيابه وشدوا رباطه ، فوضع في
المنجنيق ، فبكت السماوات ، والأرض ، والجبال ، والشمس ، والقمر ، والعرش ، والكرسي ،
والسحاب ، والريح ، والملائكة ، كل يقول : يا رب عبدك إبراهيم بالنار يحرق ، فائذن لنا في
نصرته ، فقالت النار وبكت : يا رب سخرتني لبني أدم ، وعبدك يحرق بي عليه السلام .
فأوحى الله إليهم أن عبدي إياي عبد ، وفي جنبي أوذي ، إن دعاني أجبته ، وإن
استنصركم فانصروه . فلما رمى استقبله جبريل عليه السلام بين المنجنيق والنار فقال : السلام عليك
يا إبراهيم ، أنا جبريل ، ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، حاجتي إلى الله ربي . ( المرجع
السابق ) .
قال الله تعالى : ( يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) [ الأنبياء : 69 ] ، فلو لم
يخلط بالسلام لآذاه البرد ، ودخل جبريل معه وإسرائيل ، وأنبت الله تعالى حوله روضة خضراء ،
وبسط له بساط من درنوك [ بسط ] الجنة ، وأتى بقميص من حلل جنة عدن فألبسه ، وأجرى عليه
الرزق غدوة وعشيا ( المرجع السابق ) .
قال وهب : فلما رأوا الآية الباهرة ، آمن منهم بشر كثير فأتى الجمع إلى نمروذ فقالوا : إن إبراهيم
قد استمال الناس ، وقد صبا إليه خلق كثير ، فجمع نمروذ وزحف ، يريد إبراهيم ومن معه ، فأوحى
الله إلى إبراهيم : ارحل بمن معك ، فرفع بامرأته سارة وجميع من آمن به حتى بلغ مدين ، فنزل ،
ونمروذ سائر بجموعه خلفه ، فأرسل الله عليهم جندا من البعوض فأعمى أعين الدواب ، ودخل
خياشيم الرجال حتى ماتوا ، وأبقى الله نمروذ ، وقد دخلت خيشومه بعوضة فسكنت دماغه حتى كان
أحب الناس إليه من ضرب رأسه ليكف عنه أكل البعوض . ثم هلك بعد ذلك . ( المرجع السابق ) .