( والليل إذا يغشى ) فقرأت عليه ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر
والأنثى ) فقال : والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيه إلى في .
ومن حديث شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال : ذهب علقمة إلى الشام
فلما دخل المسجد قال : اللهم يسر لي جليسا صالحا ، فجلس إلى أبي الدرداء ،
فقال أبو الدراء : ممن أنت ؟ قال من أهل الكوفة . قال : أليس فيكم - أو منكم
صاحب السر الذي لا يعلمه غيره ؟ يعني حذيفة . قال : قلت بلى . قال أليس
فيكم - أو منكم - الذي أجاره الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ يعني من الشيطان ،
يعني عمارا ، قلت : بلى . قال : أليس فيكم - أو منكم - صاحب السواك ،
والوساد ، أو السرار ؟ قال : بلى . قال : كيف كان عبد الله يقرأ : ( والليل
إذا يغشى والنهار إذا تجلى ) ؟ قلت : ( والذكر والأنثى ) ، قال : ما زال
بي هؤلاء حتى كادوا يستنزلوني عن شئ سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم . ذكرهما في
مناقبهما ( 1 ) وذكر في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من حديث شعبة قريبا ( 2 )
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 7 / 114 ، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، باب ( 20 ) مناقب عمار
وحذيفة ، رضي الله عنهما ، حديث رقم ( 3743 ) .
قوله : " قال : أوليس عندكم ابن أم عبد " يعني عبد الله بن مسعود ، ومراد أبي الدرداء
بذلك أنه فهم منهم أنهم قدموا في طلب العلم ، فبين لهم أن عندهم من العلماء من لا يحتاجون
معهم إلى غيرهم ، ويستفاد منه أن المحدث لا يرحل عن بلده حتى يستوعب ما عند مشايخها .
قوله : " صاحب النعلين " أي نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبد الله بن مسعود يحملها .
قوله : " الذي أجاره الله من الشيطان ، يعني على لسان نبيه " زعم ابن التين أن المراد
بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " وهو محتمل ، ويحتمل
أن يكون المراد بذلك حديث عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها مرفوعا : " ما خير عمار بين
أمرين إلا اختار أرشدهما أخرجه الترمذي .
ولأحمد من حديث ابن مسعود مثله ، أخرجهما الحاكم ، فكونه يختار أرشد الأمرين دائما
يقتضي أنه أجير من الشيطان .
قوله : " والوساد " في رواية شعبة : " صاحب السواك - بالكاف - أو السواد بالدال ،
ووقع في رواية الكشميهني هنا : " الوساد " ورواية غيره أوجه . والسواد : السرار - براءين -
يقال : ساودته سوادا أي ساررته سرارا ، وأصله أدنى السواد ، وهو الشخص من السواد .
قوله : " والمطهرة " في رواية السرخسي " والمطهر " بغير هاء ، وأغرب الداودي
فقال : معناه أنه لم يكن يملك من الجهاز غير هذه الأشياء الثلاثة ، وكذا قال ، وتعقب ابن التين
كلامه فأصاب ، وقد روى مسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " إذنك على أن ترفع
الحجاب وتمسع سوادي " أي سراري ، وهي خصوصية لابن مسعود .
قوله : " أوليس فيكم صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلم أحد غيره " كذا فيه بحذف
المفعول ، وفي رواية الكشميهني " الذي لا يعلمه " والمراد بالسر ما أعلمه به النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال
المنافقين .
قوله : ثم قال كيف يقرأ عبد الله " يعني ابن مسعود ، وفي هذا بيان واضح أن قراءة ابن
مسعود كانت كذلك ، وفي رواية إسرائيل عن مغيرة في المناقب ( والليل إذا يغشى والذكر
والأنثى ) بحذف ( والنهار إذا تجلى ) كذا في رواية أبي ذر ، وأثبتها الباقون ، ومن عداهم
قرأوا ( وما خلق الذكر والأنثى ) وعليها استقر الأمر مع قوة إسناد ذلك إلى أبي الدرداء ومن
ذكر معه .
والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة على علقمة وعن ابن مسعود ، وإليها
تنتهي القراءة بالكوفة ، ثم لم يقرأ بها أحد منها ، وكذا أهل الشام ، حملوا القراءة عن أبي
الدرداء : ولم يقرأ أحد منهم بهذا ، فهذا مما يقوي أن التلاوة بها نسخت .
( فتح الباري ) : 7 / 115 - 116 ، 8 / 917 مختصرا .
( 2 ) ( فتح الباري ) : 7 / 114 ، كتاب فضائل أصحاب النبي ، باب ( 20 ) مناقب عمار وحذيفة
رضي الله تبارك وتعالى عنهما ، حديث رقم ( 3743 ) .