وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال ، وكان أنجشة حسن الصوت ، وكان إذا
حدا أعنقت الإبل ( 1 ) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير .
وخرجه البخاري ( 2 ) من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن
أنس بن مالك ، وأيوب عن قلابة ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
هامش
( 1 ) العنق ، من السير : المنبسط ، والعنيق ، كذلك وسير عق وعنيق : معروف ، وقد أعنقت
الدابة ، فهي معنق ، ومعناق وعنيق .
وفي حديث معاذ وأبي موسى : أنها كانا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، في سفر ومعه أصحابه فأناخوا
ليلة وتوسد كل رجل منهم بذراع راحلته ، قالا : فانتبهنا ولم نر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عند راحلته
فاتبعناه ، فأخبرنا ، عليه السلام ، أنه خير بين أن يدخل نصف أمته الجنة وبين الشفاعة ، وأنه
اختار الشفاعة ، فانطلقنا معانيق إلى الناس نبشرهم ، قال شمر : قوله معانيق أي مسرعين ،
يقال : أعنقت إليه أعنق إعناقا .
وفي حديث أصحاب الغار : فانفرجت الصخرة فانطلقوا معانقين أي مسرعين ، من عانق
مثل أعنق إذا سارع وأسرع ، ويروي : فانطلقوا معانيق ، ورجل معنق وقوم معنقون ومعانيق ،
قال : والعنق ضرب من سير الدابة والإبل ، وهو سير منبسط . مختصرا من ( لسان العرب ) :
10 / / 273 - 274 .
( 2 ) ( فتح الباري ) : 10 / 675 ، كتاب الأدب ، باب ( 95 ) ما جاء في قول الرجل " ويلك " حديث
رقم ( 6161 ) ، وأخرجه والحديثين بعده في كتاب الأدب باب ( 90 ) ، ما يجوز من الشعر
والرجز والحداء وما يكره منه حديث رقم ( 6149 ) ، وقال في آخره : قال أبو قلابة : فتكلم
النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه ، وأخرجه في باب ( 111 ) ، من دعا صاحبه
فنقص من اسمه حرفا ، حديث رقم ( 620 ) ، وفيه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أنجش " ، وفي باب
( 116 ) ، المعاريض مندوحة عن الكذب ، وقال إسحاق : سمعت أنس : مات ابن لأبي طلحة ،
فقال : كيف الغلام ؟ قالت أم سليم : هدأت نفسه ، وأرجو أن يكون قد استراح . وظن أنها
صادقة ، حديث رقم ( 6209 ) ، وفيه : " أرفق يا أنجشة - ويحك - بالقوارير " ، وحديث رقم
( 6210 ) ، وفيه : " قال أبو قلابة : القوارير يعني النساء " ، وحديث رقم ( 6211 ) ، وفيه : "
قال قتادة : يعني ضعفة النساء " .
وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، باب ( 18 ) ، رحمة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء ، وأمر السواق
مطاياهن بالرفق بهن ، حديث رقم ( 70 ) ، وفيه : " يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير " وحديث
رقم ( 71 ) ، وفيه : " ويحك يا أنجشة رويدا سوقك بالقوارير " وحديث رقم ( 72 ) ، وفيه : " أي
أنجشة رويدا سوقك بالقوارير " ، وحديث رقم ( 73 ) ، وفيه : " رويدا يا أنجشة لا تكسر القوارير
يعني ضعفة النساء " .
قوله صلى الله عليه وسلم ( يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير ) وفي رواية ويحك يا أنجشة رويدا سوقك
بالقوارير ، وفي رواية : يا أنجشة لا تكسر القوارير يعني ضعفة النساء ، أما أنجشة فهمزة
مفتوحة وإسكان النون وبالجيم وبشين معجمة ، وأما رويدك فمنصوب على الصفة بمصدر
محذوف أي سق سوقا رويدا ، ومعناه الأمر بالرفق بهن وسوقك منصور بإسقاط الجار ، أي
أرفق في سوقك بالقوارير ، قال العلماء : سمي النساء قوارير لضعف عزائمهن تشبيها بقارورة
الزجاج لضعفها ، وإسراع الانكسار إليها واختلف العلماء في المراد بتسميتهن قوارير على
قولين : ذكرهما القاضي وغيره ، أصحهما عند القاضي وآخرين وهو الذي جزم به الهروي
وصاحب ( التحرير ) وآخرون : أن معناه أن أنجشة كان حسن الصوت وكان يحدو بهن وينشد
شيئا من القريض والرجز ، وما فيه تشبيب ، فلم يأمن أن يفتنهن ويقع في قلوبهن حداؤه ، فأمره
بالكف عن ذلك ، ومن أمثالهم المشهورة : الغناء رقية الزنا ، قال القاضي : هذا أشبه بمقصوده
صلى الله عليه وسلم وبمقتضى اللفظ ، قال : وهو الذي يدل عليه كلام أبي قلابة المذكور في هذا الحديث في مسلم
والقول الثاني : أن المراد به الرفق في السير ، لأن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في
المشي ، واستلذته فأزعجت الراكب ، وأتعبته ، فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن عند شدة
الحركة ، ويخاف ضررهن ، وسقوطهن .
وأما " ويحك " فهكذا وقع في مسلم ووقع في غيره " ويلك " قال القاضي : قال سيبويه : "
ويل " كلمة تقال لمن وقع في هلكة ، " وويح : تقال لمن أشرف على الوقوع في هلكة ، وقال
الفراء : " ويل وويح وويس " بمعنى ، وقيل : " ويح " كلمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها - يعني
في عرفنا - فيرثى له ، ويترحم عليه ، و " ويل " ضده ، قال القاضي : قال بعض أهل اللغة : لا
يراد بهذه الألفاظ حقيقة الدعاء وإنما يراد بها المدح ، والتعجب .
وفي هذه الأحاديث جواز الحداء ، وهو بضم الحاء ، ممدود ، وجواز السفر بالنساء ،
واستعمال المجاز ، وفيه مساعدة النساء من الرجال ، ومن سماع كلامهم إلا الوعظ ، ونحوه .
( شرح النووي ) : 15 / 86 - 88 .
وأخرجه الإمام أحمد في ( المسند ) : 4 / 35 ، حديث رقم ( 12532 ) ، 4 / 102 ، حديث رقم
( 12964 ) ، كلاهما من مسند أنس بن مالك رضي الله تبارك وتعالى عنه .
وأخرجه الحافظ البيهقي في ( السنن الكبرى ) : 10 / 227 ، كتاب الشهادات باب لا بأس باستماع
الحداء ونشيد الأعراب كثر أو قل ، وفيه : " رويدك يا أنجشة لا تكسر القوارير " .