( وأما المغفر )
المغفر : غطاء الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان ذلك أو
غيره .
فقد ثبت من حديث مالك عن الزهري عن أنس ( رضي الله عنه ) قال :
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر ، فلما نزعه جاءه رجل
فقال له : ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال : اقتلوه ( 1 ) .
وقد روى جماعة منهم بشر بن عمر الزهراني ، ومنصور بن سلمة
الخزاعي ، عن مالك هذا الحديث ، وقالوا فيه : مغفر من حديد ، وكذلك
رواه أبو عبيد القاسم بن سلام ، عن أبي بكير عن مالك قال فيه : من
حديد ، وليس من حديد في الموطأ ( 2 ) .
هامش
( 1 ) ( شرح السنة للبغوي ) : 10 / 399 .
( 2 ) ( موطأ مالك ) : 292 ، كتاب الحج ، جامع الحج ، حديث رقم ( 956 ) : عن أنس بن مالك : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر ، فلما نزعه ، جاءه رجل فقال له : يا رسول الله ،
ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتلوه . قال مالك ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم
يومئذ محرما ، والله تعالى أعلم .
وأخرجه مسلم في كتاب الحج من ( الصحيح ) باب ( 84 ) جواز دخول مكة بغير إحرام ، حديث
رقم ( 450 ) ، قوله : " وعلى رأسه المغفر " ، وفي رواية : " وعليه عمامة سوداء بغير إحرام " ، وفي
رواية : " خطب الناس وعليه عمامة سوداء " .
قال القاضي : وجه الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر ، ثم بعد ذلك كان علي
رأسه العمامة بعد إزالة المغفر ، بدليل قوله : " خطب الناس وعليه عمامة سوداء " ، لأن الخطبة إنما
كانت عند باب الكعبة بعدم تمام فتح مكة .
وقوله : " دخل مكة بغير إحرام " هذا دليل لمن يقول بجواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد
نسكا ، سواء كان دخوله لحاجة تكرر . كالخطاب ، والحشاش ، والسقاء ، والصياد ، وغيرهم . أم لم
تتكرر ، كالتاجر ، والزائر وغيرهما ، سواء كان آمنا أو خائفا ، وهذا أصح القولين للشافعي .
قوله : " اقتلوه " ، قال العلماء : إنما قتله لأنه كان قد ارتد عن الإسلام ، وقتل مسلما كان يخدمه ،
وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويسبه ، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين .
فإن قيل : ففي الحديث الآخر : " من دخل المسجد فهو آمن " ، فكيف قتله وهو متعلق بأستار
الكعبة ؟ فالجواب : أنه لم يدخل في الأمان ، بل استثناه هو وابن أبي سرح والقينتين ، وأمر بقتله وإن
وجد متعلقا بأستار الكعبة ، كما جاء مصرحا به في أحاديث أخر .
وقيل : لأنه لم يف بالشرط ، بل قاتل بعد ذلك ، وفي هذا الحديث حجة لمالك والشافعي
وموافقيهما في جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة .
وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، وتأولوا هذا الحديث على أنه قتله في الساعة التي أبيحت له ،
وأجاب أصحابنا بأنها إنما أبيحت ساعة الدخول حتى استولى عليها ، وأذعن له أهلها ، وإنما قتل ابن
أخطل بعد ذلك ، والله تعالى أعلم .
واسم ابن أخطل : عبد العزي ، وقال محمد بن إسحاق : اسمه عبد الله وقال الكلبي : اسمه
غالب بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تيم بن غالب .
وخطل بخاء معجمة وطاء مهملة مفتوحتين ، قال أهل السير : وقيل سعد بن حريث ، والله
تعالى أعلم . ( مسلم بشرح النووي ) : 10 / 140 - 141 .
وأخرج البخاري في ( الصحيح ) : 6 / 203 ، كتاب الجهاد والسير ، باب ( 169 ) ، قتل الأسير ،
وقتل الصبر ، حديث رقم ( 3044 ) ، وفيه أن الإمام يتخير - متبعا ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين
- بين قتل الأسير ، أو المن عليه بفداء - أو بغير فداء ، أو استرقاقه . ( فتح الباري ) .
و ( المرجع السابق ) : 8 / 18 - 19 ، كتاب المغازي ، باب ( 49 ) أين ركز الراية يوم الفتح ، حديث
رقم ( 4286 ) .
و ( المرجع السابق ) : 10 / 338 ، كتاب اللباس ، باب ( 17 ) المغفر ، حديث رقم ( 5808 ) ، قال
الحافظ ابن حجر : وقد ذكرت في شرح الحديث أن بضعة عشر نفسا رووه عن الزهري غير مالك .
و ( سنن أبي داود ) : 3 / 134 - 135 ، كتاب الجهاد ، باب ( 127 ) قتل الأسير ولا يعرض عليه
الإسلام ، حديث رقم ( 2685 ) ، قال أبو داود : ابن خطل اسمه عبد الله ، وكان أبو برزة الأسلمي
قتله .
وأخرجه أيضا الترمذي في ( السنن ) : كتاب الجهاد ، باب في المغفر ، حديث رقم ( 1357 ) ،
والنسائي في ( السنن ) : كتاب المناسك ، باب دخول مكة بغير إحرام ، حديث رقم ( 2870 ) ، وابن
ماجة في ( السنن ) : كتاب الجهاد ، باب السلاح ، حديث رقم ( 1805 ) ، والدارمي في السير ، باب
كيف دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر ، حديث رقم ( 2460 ) ، وفي المناسك ، باب
دخول مكة بغير إحرام ، حديث رقم ( 1944 ) .