ذلك ، فقال : لم يقدر في الله على ذلك ، قال : فسخر لنا الريح لتحملنا إلى
الشام في يوم وتردنا في يوم ، فإن طول السفر يجهدنا ، فلست بأهون على
الله من سليمان بن داود ، فقد كان يأمر الريح فتغدو به مسيرة شهر ، وتروح
به مسيرة شهر ، فقال : لا أستطيع ذلك ، فقال أبو جهل : فإن كنت غير
فاعل شيئا ما سألناك ، فلا تذكر آلهتنا بسوء ، فقال عبد الله بن أبي أمية بن
المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم : فأرنا كرامتك على ربك ، فليكن لك
بيت من زخرف ، وجنة من نخيل وعنب تجري تحتها الأنهار ، وفجر لنا ينبوعا
مكان زمزم ، فقد شق علينا أو عليها ، وإلا فأسقط السماء علينا كسفا ،
فقال : ليس هذا بيدي ، هو بيد الذي خلقني ، قال : فارق إلى السماء وأتنا
بكتاب نقرأه ونحن ننظر إليك ، فنزلت فيه الآيات من سورة الإسراء ( 1 ) .
ولما نزلت : ( إن شجرت الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في
البطون * كغلي الحميم ) ( 2 ) قال أبو جهل : إنما أنا أدعو لكم يا معشر قريش
هامش
( 1 ) ( تفسير ابن كثير ) : 3 / 66 - 86 ، الآيات 29 - 94 من سورة الإسراء .
( 2 ) الدخان : 43 - 46 ، ولما ذكر الله تعالى فريقا مرحومين على وجه الاجمال ، قابله هنا بفريق معذبون ،
وهم المشركون ، ووصف بعض أصناف عذابهم ، وهو مأكلهم وإهانتهم ، وتحريقهم ، فكان مقتضى
الظاهر أن يبتدأ الكلام بالإخبار عنهم بأنهم يأكلون شجرة الزقوم ، كما قال في سورة الواقعة : ( ثم
إنكم أيها الضالون المكذبون * لآكلون من شجر من زقوم ) " الواقعة : 51 - 52 " ، فعدل عن ذلك إلى
الإخبار عن شجرة الزقوم بأنها طعام الأثيم ، اهتماما بالأعلام بحال هذه الشجرة ، وقد جعلت شجرة
الزقوم شيئا معلوما للسامعين ، فأخبر عنها بطريق تعريف الإضافة ، لأنها سبق ذكرها في سورة الواقعة ،
التي نزلت قبل سورة الدخان ، فإن الواقعة عدت السادسة والأربعين في عداد نزول السور ، وسورة
الدخان ثالثة وستين . ومعنى كون الشجرة طعاما أن ثمرها طعام ، كما قال تعالى : ( طلعها كأنه
رؤوس الشياطين * فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ) " الصافات : 65 - 66 " .
وكتبت كلمة ( شجرت ) في المصاحف بتاء مفتوحة ، مراعاة لحال الوصل ، وكان الشائع في رسم
أواخر الكلم أن تراعى فيه حالة الوقف ، فهذا مما جاء على خلاف الأصل .
و ( الأثيم ) : الكثير الآثام ، كما دلت عليه فعيل ، والمراد به : المشركون المذكورون في قوله تعالى :
( إن هؤلاء ليقولون * إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين ) " الدخان : 43 - 53 " ، فهذا من الاظهار
في مقام الاضمار ، لقصد الإيماء إلى أن المهم بالشرك مع سبب معاملتهم هذه . ( تفسير
التحرير والتنوير ) : 25 / 314 .
وشجرة الزقوم ذكرت هنا ما هو معهود من قبل لورودها معرفة بالإضافة ، ولوقوعها في مقام
التفاوت بين حالي خير وشر ، فيناسب أن تكون الحوالة على مثلين معروفين ، فأما أن يكون اسما جعله
القرآن لشجرة في جهنم ، ويكون سبق ذكرها في : ( ثم إنكم أيها الضالون المكذبون * لآكلون من
شجر من زقوم ) " الواقعة : 51 - 52 " ، وكان نزولها قبل نزول سورة الصافات .
ويبين هذا ما رواه الكلبي : أنه لما نزلت هذه الآية " أي آية سورة الواقعة " ، قال ابن الزبعري : أكثر
الله في بيوتهم الزقوم ، فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد بالزقوم ، فقال أبو جهل لجاريته ، زقمينا ،
فأتته بزبد وتمر فقال : تزقموا .
وعن ابن سيده : بلغنا أنه لما نزلت : ( إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم ) " الدخان : 43 - 44 " ، لم
يعرفها قريش ، فقال أبو جهل ، يا جارية هاتي لنا تمرا وزبدا نزدقمه ، فجعلوا يأكلون ويقولون : أفبهذا
يخوفنا محمد في الآخرة ؟
والمناسب أن يكون قولهم هذا عندما سمعوا آية سورة الواقعة ، لا آية سورة الدخان ، وقد جاءت
فيها نكرة .
وأما أن يكون اسما لشجر معروف هو مذموم ، قيل : هو شجر من أخبث الشجر يكون بتهامة
والبلاد المجدبة المجاورة للصحراء ، كريهة الرائحة ، صغيرة الورق ، مسمومة ، ذات لبن إذا أصاب جلد
الإنسان تورم ، ومات منه في الغالب . قاله قطرب وأبو حنيفة .