ولقد بدا لي منك ما لم أجب * إلا دعيت قرابتي وذماري
تسمو إليه بحربة مسمومة * تبا لفعلك يا أبا العفاري
لولا الحياء وأن أهلك جيرة * لعلمت ما كشفت من أخباري
قال رافع : فأجابه الشاب :
أأردت أن تعلو وتخفض ذكرنا * في غير مرزية أبا العيزار
ما كان فيكم سيد فيما مضى * إن الخيار همو بنو الأخيار
فاقصد لقصدك ما معيكم إنما * كان المجير مهلهل بن أثار
قال : فبينما هما يتنازعان إذا طلعت ثلاثة أثوار من الوحش ، فقال الشيخ للفتى :
قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداءا لناقة جاري الإنسي ، فأخذ منها ثورا ثم
انصرف ، فالتفت إلى الشيخ فقال : يا هذا ؟ إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هو له
فقل : أعوذ برب محمد من هول هذا الوادي ، ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل
أمرها .
قال : فقلت : ومن محمد ؟ قال : نبي عربي لا شرقي ولا غربي ، قلت : فأين
مسكنه ؟ قال : يثرب .
قال : فركبت راحلتي حتى دخلت المدينة ، فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم فحدثني
بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئا ، ودعاني إلى الإسلام فأسلمت .
قال سعيد بن جبير فكنا نرى أنه هو الذي أنزل الله فيه : [ وأنه كان رجال
من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ] ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الجن : 6 ، قوله تعالى : [ وأنه كان رجال من الإنس ] ، روى الجمهور أن الرجل كان إذا أراد
المبيت أو الحلول في واد ، نادى بأعلى صوته : يا عزيز هذا الوادي ، إني أعوذ بك من السفهاء الذين
في طاعتك ، فيعتقد بذلك أن الجني الذي بالوادي يمنعه ويحميه . فروي أن الجن كانت تقول عند ذلك :
لا نملك لكم ولا لأنفسنا من الله شيئا .
قال مقاتل : أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن ، ثم بنو حنيفة ، ثم فشا ذلك في العرب . وقال
قتادة : [ فزادوهم ] ، أي الجن زادت الإنس مخافة أن يتخيلون لهم بمنتهى طاقتهم ويعوذونهم لما رأوا
من خفة أحلامهم ، فازدروهم واحتقروهم . وقال ابن جبير : [ رهقا ] : كفرا . ( البحر المحيط ) :
10 / 295 - 296 باختصار .