من كلامكم ، فرموه بحزوق شعرهم ، ومؤلف سجعهم ، وبديع نثرهم ، فما
أحاطوا به تشبيها ، ولا قاربوه تأليفا ، حتى إنهم جعلوا يستروحون إلى أن يقولوا
لصغارهم وأغبيائهم : هذا القرآن شعر ؟ وتقول طائفة أخرى : هو سحر ؟ ليعذروا
في تأخرهم عن الجواب والمعارضة .
هذا وقد علموا بأنه مخالف للسحر ، ومباين للشعر ، كما سنورده إن شاء الله
بالأسانيد ، فهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يقرعهم ويوبخهم بانقطاعهم وعجزهم ،
فيقرأ عليهم قوله تعالى : [ أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من
استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ] ( 1 ) ، وقوله تعالى : [ أم يقولون افتراه
قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم
صادقين ] ( 2 ) ، وقوله تعالى : [ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا
بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ] ( 3 ) ، قوله
تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون
بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ] ( 4 ) .
وهم يألمون لما يسمعون من التوبيخ ، وقلقون لما يعلمون من وقوع الحجة بهم
عند الاعتراف بالعجز ، فلما أبوا إلا عناد الحق ، دعاهم ذلك إلى القتال ، ولو وصلوا
إلى أن يعارضوا لخصموا الرسول صلى الله عليه وسلم وظهروا عليه ، واستغنوا عن قتاله ، فلما
صبروا للحروب وبذل النفوس ، والجلاء عن الديار ، وذهاب الأموال والأولاد ،
كان في ذلك أعظم دليل وأوضح برهان على إعجاز القرآن للعالمين ، وامتناعه عن
قدر المخلوقين .
* * *
هامش
( 1 ) يونس : 38 .
( 2 ) هود : 13 .
( 3 ) البقرة : 23 .
( 4 ) الإسراء : 88 .