اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما ولي وجهه
قبل البيت أنكروا ذلك .
قال زهير : حدثنا أبو إسحاق في حديثه عن البراء أنه مات على القبلة قبل أن
تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله عز وجل : ( وما كان
الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) ( 1 ) ، ذكره في كتاب الإيمان ( 2 ) ،
هامش
( 1 ) آية 144 / البقرة ، ورواية البخاري حتى ( إيمانكم ) .
( 2 ) ( فتح الباري ) : 1 / 128 ، كتاب الإيمان ، باب ( 30 ) ، الصلاة من الإيمان ، وقول الله تعالى :
( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) يعني صلاتكم عند البيت ، حديث رقم ( 40 ) .
قوله : " يعني صلاتكم عند البيت " ، وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه الذي أخرج منه
البخاري حديث الباب ، فروى الطيالسي والنسائي ، من طريق شريك وغيره عن أبي إسحاق عن البراء
في الحديث المذكور : " فأنزل الله : ( وما كان الله ليضيع أيمانكم ) صلاتكم إلى بيت المقدس " .
وعلى هذا فقول البخاري : " عند البيت " مشكل ، مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات ، ولا
اختصاص لذلك بكونه عند البيت ، وقد قيل إن فيه تصحيفا ، والصواب يعني صلاتكم لغير البيت .
قال الحافظ ابن حجر : وعندي أنه لا تصحيف فيه ، بل هو صواب ومقاصد البخاري في هذه
الأمور دقيقة ، وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاة وهو
بمكة ، فقال ابن عباس وغيره : كان يصلي إلى بيت المقدس ، ولكنه لا يستدبر الكعبة ، بل يجعلها
بينه وبين بيت المقدس .
وأطلق آخرون : أنه كان يصلي إلى بيت المقدس ، وقال آخرون : كان يصلي إلى الكعبة ، فلما تحول
إلى المدينة استقبل بيت المقدس ، وهذا ضعيف ، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين ، والأول أصح ، لأنه
يجمع بين القولين ، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس .
وكأن البخاري أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح ، من أن الصلاة لما كانت عند البيت ، كانت إلى
بيت المقدس ، واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية ، لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت
إذا كانت لا تضيع ، فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه ، فتقدير الكلام : يعني صلاتكم التي صليتموها
عند البيت إلى بيت المقدس .
قوله : " قبل بيت المقدس " ، بكسر القاف وفتح الموحدة ، أي إلى جهة بيت المقدس .
قوله : " ستة عشر شهرا أو سبعة عشر " ، كذا وقع الشك في رواية زهير هذه هنا ، وفي الصلاة
أيضا عن أبي نعيم عنه ، وكذا في رواية الثوري عنده ، وفي رواية إسرائيل عند البخاري ، وعند الترمذي
أيضا . ورواه أبو عوانة في صحيحه ، عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال : " ستة عشر "
من غير شك ، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص ، وللنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك ،
ولأبي عوانة أيضا من رواية عمار بن رزيق - بتقديم الراء مصغرا - كلهم عن أبي إسحاق ، وكذا
لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس . وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف " سبعة عشر " ،
وكذا للطبراني عن ابن عباس . . .
والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا
وألغى الزائد ، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا ، ومن شك تردد في ذلك . وذلك أن القدوم كان
في شهر ربيع الأول بلا خلاف ، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح ،
وبه جزم الجمهور .
ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس . وقال ابن حبان : " سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام " ،
وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول .
وشذت أقوال أخرى : ففي ابن ماجة من طريق أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق في هذا
الحديث : " ثمانية عشر شهرا " ، وأبو بكر سيئ الحفظ ، وقد اضطرب فيه ، فعند ابن جرير من
طريقه في رواية : " سبعة عشر " ، وفي رواية : " ست عشر " ، وخرجه بعضهم على قول محمد
ابن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان ، وهو الذي ذكره النووي في ( الروضة ) وأقره ، مع
كونه رجح في شرحه لمسلم رواية " ستة عشر شهرا " ، لكونها مجزوما بها عند مسلم ، ولا يستقيم
أن يكون ذلك في شعبان إلا إن ألغي شهري القدوم والتحويل .
وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادي الآخرة ، ومن الشذوذ أيضا رواية : " ثلاثة
عشر شهرا " ، ورواية : " تسعة أشهر " ، و " عشرة أشهر " ، ورواية : " شهرين " ، ورواية :
" سنتين " ، وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب . وأسانيد الجمع ضعيفة ، والاعتماد على القول
الأول ، فجملة ما حكاه تسع روايات .
قوله : " وأنه صلى أول " ، بالنصب لأنه مفعول صلى ، والعصر كذلك على البداية ، وأعربه
ابن مالك بالرفع ، وفي الكلام مقدر لم يذكر لوضوحه ، أي أو صلاة صلاها متوجها إلى الكعبة صلاة
العصر . وعند ابن سعد : حولت القبلة في صلاة الظهر أو العصر - على التردد - وساق ذلك من
حديث عمارة بن أوس قال : " صلينا إحدى صلاتي العشى " . والتحقيق : أن أول صلاة صلاها في
بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر ، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر ، وأما
الصبح فهو من حديث ابن عمر بأهل قباء ، وهل كان ذلك في جمادي الآخرة أو رجب أو شعبان ؟
أقوال .
قوله : " قبل مكة " ، أي قبل البيت الذي في مكة ، ولهذا قال : " فداروا كما هم قبل البيت " ،
و " ما " موصولة ، والكاف للمبادرة ، وقال الكرماني : للمقارنة ، و " ما " مبتدأ وخبره محذوف .
قوله : " قد أعجبهم " أي النبي صلى الله عليه وسلم ، ( وأهل الكتاب ) : هو بالرفع عطفا على اليهود ، من عطف
العام على الخاص . وقيل : المراد النصارى ، لأنهم من أهل الكتاب ، وفيه نظر ، لأن النصارى لا يصلون
لبيت المقدس ! فكيف يعجبهم ؟ وقال الكرماني : كان إعجابهم بطريق التبعية لليهود .
قال الحافظ ابن حجر : وفيه بعد لأنهم أشد الناس عداوة لليهود ، ويحتمل أن يكون بالنصب ،
والواو بمعنى ( مع ) ، أي يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس ، واختلف في صلاته إلى بيت المقدس
وهو بمكة .
فروى ابن ماجة من طريق أبي بكر بن عياش المذكورة : " صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت
المقدس ثمانية عشر شهرا " ، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين " ، وظاهره
أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضا ، وحكى الزهري خلافا في أنه هل كان يجعل الكعبة خلف
ظهره ، أو يجعلها بينه وبين بيت المقدس ؟
قال الحافظ ابن حجر : وعلى الأول فكان يجعل الميزاب خلفه ، وعلى الثاني كان يصلي بين الركنين
اليمانيين ، وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة ، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ ،
وحمل ابن عبد البر هذا على القول الثاني ، ويؤيد حمله على ظاهره إمامة جبريل ، ففي بعض طرقه أن
ذلك عند باب البيت .
قوله : " أنكروا ذلك " ، يعني اليهود ، فنزلت : ( سيقول السفهاء من الناس ) وقد صرح
البخاري بذلك في روايته عن طريق إسرائيل .
قوله : " قال زهير " ، يعني ابن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف كعادته ، ووهم قال
إنه معلق ، وقد ساقه البخاري في ( التفسير ) ، مع جملة الحديث ، عن أبي نعيم ، عن زهير سياقا
واحدا .
قوله : " أنه مات على القبلة " ، أي قبلة بيت المقدس قبل أن تحول " لأجاب ، وقتلوا " ، ذكر
القتل لم أره إلا في رواية زهير ، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط ، وكذلك روى أبو داود ،
والترمذي ، وابن حبان ، والحاكم ، صحيحا عن ابن عباس ، وكذلك والذين ماتوا بعد فرض الصلاة ،
وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشر أنفس : فبمكة من قريش : ( 1 ) عبد الله بن شهاب . ( 2 ) المطلب
ابن أزهر الزهريان . ( 3 ) السكران بن عمرو العامري .
وبأرض الحبشة منهم : ( 1 ) حطاب - بالمهملة - ابن الحارث الجمحي . ( 2 ) عمرو بن أمية
الأسدي . ( 3 ) عبد الله بن الحارث السهمي .
( 4 ) عروة بن عبد العزى . ( 5 ) عدي بن نضلة
العدويان .
ومن الأنصار بالمدينة : ( 1 ) البراء بن معرور ( بمهملات ) . ( 2 ) أسعد بن زرارة ، فهؤلاء العشرة
متفق عليهم . ومات في المدة أيضا : إياس بن معاذ الأشهلي ، لكنه مختلف في إسلامه .
قال الحافظ ابن حجر : ولم أجد في شئ من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة ،
لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع ، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة ، فتحمل على أن بعض
المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ، ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك .
ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه ، وهو سويد بن الصامت ، فقد ذكر
ابن إسحاق : أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، قبل أن تلقاه الأنصار في العقبة ، فعرض عليهم الإسلام فقال :
إن هذا القول حسن . وانصرف إلى المدينة فقتل بها في وقعة بعاث - بضم الموحدة وإهمال العين وآخره
مثلثة - وكانت قبل الهجرة ، قال : فكان قومه يقولون . لقد قتل وهو مسلم ، فيحتمل أن يكون
هو المراد . وذكر لي بعض الفضلاء : أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار ،
قلت : يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسراء .
من فوائد هذا الحديث :
( 1 ) الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانا .
( 2 ) تغيير بعض الأحكام جائز إذ ظهرت المصلحة في ذلك . ( 3 ) بيان شرف المصطفى وكرامته على
ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال . ( 4 ) بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم
والشفقة على إخوانهم ، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر ، كما يصح من حديث البراء
أيضا فنزل : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا
الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) ( 93 / المائدة ) ، وقوله تعالى :
( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) ( 30 / الكهف ) ، ولملاحظة هذا المعنى ، عقب البخاري
على هذا الباب بقوله : " باب حسن إسلام المرء " فذكر الدليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب
عليها ، وهو الحديث رقم ( 41 ) من الباب ( 31 ) في كتاب ( الإيمان ) . ( فتح الباري ) 1 / 128 -
133 حديث رقم ( 40 ) .