ولمسلم من حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال :
صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا حتى نزلت الآية التي في
البقرة ( وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) ( 1 ) ، فنزلت بعد ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم
فانطلق رجل ( من القوم ) ( 2 ) فمر بناس من الأنصار وهم يصلون ، فحدثهم
( بالحديث ) ( 3 ) ، فولوا وجوههم ( نحو القبلة ، وهو البيت ) ( 4 )
وخرج البخاري من حديث زهير ، حدثنا أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال : على أخواله - من الأنصار ،
وأنه صلى قبل بيت المقدس سنة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه
أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر ، وصلى معه
قوم ، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على مسجد فيه قوم راكعون فقال : أشهد
بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت ، وكانت
هامش
( 1 ) آية 144 / البقرة .
( 2 ) زيادة من رواية مسلم .
( 3 ) في مسلم : " فحدثهم فولوا " .
( 4 ) ما بين الحاصرتين ليست في مسلم ، ورواية مسلم : " فولوا وجوههم قبل البيت " .
وفي هذا الحديث - حديث البراء - دليل على جواز النسخ ووقوعه . وفيه قبول خبر الواحد . وفيه
جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين ، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا من صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم
تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في الصلاة الواحدة ،
فصلى كل ركعة منها إلى جهة صحت صلاته على الأصح ، لأن أهل هذا المسجد المذكور في الحديث
استداروا في صلاتهم واستقبلوا الكعبة ولم يستأنفوها .
وفيه دليل على أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه ، فإن قيل : هذا نسخ للمقطوع به
بخبر الواحد ، وذلك ممتنع عند أهل الأصول ، فالجواب : أنه احتفت به قرائن ومقدمات ، أفادت العلم ،
وخرج عن كونه خبر واحد مجردا ، واختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء - رحمهم الله تعالى - في
أن استقبال بيت المقدس هل كان ثابتا بالقرآن ؟ أم كان باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فحكى الماوردي في
( الحاوي ) وجهين في ذلك لأصحابنا .
قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى - : الذي ذهب إليه أكثر العلماء : أنه كان بسنة لا بقرآن ،
فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال : إن القرآن ينسخ السنة ، وهو قول أكثر الأصوليين المتأخرين ،
وهو أحد قولي الشافعي ، رحمه الله تعالى - .
والقول الثاني له ، وبه قال طائفة : لا يجوز لأن السنة مبينة للكتاب فكيف ينسخها ؟ وهؤلاء
يقولون : لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة ، بل كان بوحي .