شق بطنه ، فشق بطني فأخرج قلبي ، فأخرج منه مغمز الشيطان ، وعلق الدم
فطرحهما ، فقال أحدهما لصاحبه : اغسل بطنه غسل الإناء ، واغسل قلبه ( 1 ) غسل
الملأ ، ثم قال أحدهما لصاحبه : خط بطنه فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما
هو الآن ووليا عني وكأني أعاين [ الأمر ] ( 2 ) معاينة ( 3 ) .
وفي رواية : لو وزنته بأمته لرجحهم ، وقال : واغسل قلبه غسل الماء ، ثم
أتيت بسكينة وهرهرة ( 4 ) بيضاء فأدخلت قلبي .
ولأبي نعيم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : أتيت في أهلي فأتى بي إلى زمزم ، فشرح عن صدري ثم غسل بماء زمزم
ثم نزلت طست من ذهب قد ملئت إيمانا وحكمة ، فحشى بها صدري ، قال أنس :
فكأني أنظر والنبي صلى الله عليه وسلم يرى الأثر في صدره ( 5 ) .
هامش
( 1 ) في ( خ ) : " واغسل بطنه " .
( 2 ) في ( دلائل أبي نعيم ) : " أعاين معاينة " ، وما بين الحاصرتين من ( خ ) .
( 3 ) الحديث في ( دلائل أبي نعيم ) : 1 / 221 ، حديث رقم ( 167 ) .
( 4 ) تقول : " سمعت له هرهرة أي صوتا عند الحلب " ( لسان العرب ) : 5 / 262 ولم أدر معناها في
سياق هذه العبارة من الحديث .
( 5 ) الحديث رقم ( 168 ) في ( دلائل أبي نعيم ) : 1 / 221 ، 222 : حدثني عمر بن حمدان قال :
حدثنا الحسن بن سفيان قال : حدثنا هدبة وشيبان قالا : حدثنا حماد بن سلمة قال : حدثنا ثابت
عن أنس رضي الله عنه ، أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه
فشق بطنه ، فاستخرجه ، ثم استخرج من قلبه علقة سوداء ، فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسل
القلب في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم أعاده مكانه ، ثم لأمه . قال أنس : فلقد رأيت أثر المخيط
في صدره صلى الله عليه وسلم .
وحادث شق الصدر ورد في كتب السيرة باتفاق ، فهو في ( الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ) :
1 / 236 ، كتاب الإسراء ، ذكر وصف الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس ، حديث رقم
( 48 ) ، قال محقق ( الإحسان ) نقلا عن الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : " وجميع ما ورد من شق
الصدر ، واستخراج القلب ، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة ، مما يجب التسليم له ، دون التعرض
لصرفه عن حقيقته لصلاحيته القدرة ، فلا يستحيل شئ من ذلك . قال القرطبي في ( المفهم ) :
لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء ، لأن رواته ثقات مشاهير ، ثم ذكر نحو ما تقدم " ، وفي
( المستدرك ) : 2 / 673 ، كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين ، حديث رقم ( 4430 /
240 ) ، قال في التلخيص : على شرط مسلم ، وفي ( مسند أحمد ) : 3 / 571 ، حديث رقم
( 11812 ) ، وفي ( طبقات ابن سعد ) : 1 / 112 ، وفي ( البداية والنهاية ) : 2 / 335 - 337 ،
وفي ( سيرة ابن هشام : 1 / 301 .
وقد تكرر هذا الحادث مرتين بعد طفولته المبكرة ، فكانت المرة الثانية لما كان النبي صلى الله عليه وسلم ابن عشر
سنين ، والمرة الثالثة لما جاوز صلى الله عليه وسلم الخمسين من عمره . وقصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد الله
تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن مزالق الطبع الإنساني ، ووساوس الشيطان ، وهو حصانة للرسول الكريم التي أضفاها
الله عليه ، فإن الله تعالى قد شاءت إرادته أزلا ، أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين ، أراد سبحانه
أن يجعل منه المثل الكامل ، للإنسان الكامل ، الذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب ، وصفاء النفس .
ولما شب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانت مكة تعج بمختلف أنواع اللهو والفساد ، والملاذ الشهوانية
الدنسة ، كانت حانات الخمر منتشرة ، وبيوت الريبة عليها علامات تعرف بها ، مع كثرة الماجنات
والراقصات ، وغير ذلك من أمور الجاهلية التي كانت تعج بها مكة في ذلك المجتمع الجاهلي ، وتتوجها
عبادة الأصنام والأوثان ، والله تبارك وتعالى برأ رسوله صلى الله عليه وسلم ، واختاره من أكرم معادن الإنسانية ،
ثم اختاره لحمل أكمل رسالات السماء إلى أمم الأرض ، وتشهد الآثار على ما حباه ربه من العصمة ،
فمن ذلك ما سبق أن أوردناه بتمامه مع شرحه من قوله صلى الله عليه وسلم : " ما همت بشئ من أمر الجاهلية إلا
مرتين ، كلتاهما عصمني الله تعالى فيها " ، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ما حدثته
به أم أيمن رضي الله عنها : " كانت بوانة صنما تحضره قريش لتعظمه . . إلخ " .
ولا يطمئن بعض الجاهلين ، ومعهم المستشرقين ، إلى حادثة شق الصدر ، واستخراجه ، ومعالجته ،
سواء التي حدثت للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو عند حليمة السعدية ، أو ما ورد من شق الصدر ، واستخراج
القلب في معجزة الإسراء والمعراج .
وابن حبان - منذ أكثر من ألف سنة - يناقش الموضوع ، ويعتبره من معجزات النبوة ، ويقول :
" كان ذلك له فضيلة فضل بها على غيره ، وإنه من معجزات النبوة ، إذ البشر إذا شق عن موضع
القلب بهم ، ثم استخرج قلوبهم ماتوا " ، فهذا فعلا كان في عصر ابن حبان ، المتوفى سنة ( 354 )
هجرية ، لا بل هو إلى عهد قريب جدا .
وتقدم العلم ، والطب ، والجراحة ، والتخدير ، والعمليات الجراحية صارت تجري في غرف
معقمة ، وبوسائل مختلفة ، وتقنية ماهرة ، فأمكن للجراحين اليوم من إجراء مختلف أنواع العمليات
الجراحية ، في كل موضع من مواضع الجسم ، الهدف منها استئصال الداء وطرحه ، حيث لم تعد تنفع
الوسائل الطبية ، حتى أمكن الآن استخراج القلب ، وليس فقط معالجته ، لا بل استبدال قلب سليم
من إنسان مات حديثا ، بالقلب التالف ، أو حتى قلب صناعي ، ثم تخاط طبقات الجسم وتعاد ،
فلا يموت المريض ! وهذا أصبح في استطاعة الإنسان .
أفما استطاعه الإنسان ، لا يستطيعه الله الذي يقول للشئ ( كن فيكون ) ؟ .