له زيد ، فلما رآه عرف شبهه ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا زيد بن عدي بن
زيد فكلمه فإذا غلام ظريف ، فرح به فرحا شديدا ، وقربه وأعطاه ، واعتذر
إليه من أمر أبيه وجهزه ، ثم كتب إلى كسرى : إن عديا كان ممن أعين به
الملك في نصحه ولبه ، فأصابه ما لا بد منه ، وانقضت مدته ، وانقطع أكله ،
ولم يصب به أحد أشد من مصيبتي ، وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل
الله له منه خلفا ، لما عظم الله له من ملكه وشأنه ، وقد أدرك له ابن ليس من
دونه ، وقد سرحته إلى الملك ، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه ، فليفعل .
فلما قد الغلام على كسرى جعله مكان أبيه ، وصرف عمه إلى عمل آخر ،
فكان هو الذي يلي ما كتب به إلى أرض العرب ، وخاصة الملك . وكانت له
من العرب وظيفة موظفة في كل سنة : مهران أشقران والكمأة الرطبة في
حينها واليابسة ، والأقط والأدم وسائر تجارات العرب ، فكان زيد بن عدي بن
زيد يلي ذلك ، وكان هذا عمل عدي .
فلما وقع عند الملك بهذا الموقع ، سأله كسرى عن النعمان ، فأحسن عليه
الثناء ، فمكث سنوات بمنزلة أبيه ، وأعجب به كسرى ، وكان يكثر الدخول
عليه ، وكانت لملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم ، فكانوا يبعثون
في تلك الأرضين بتلك الصفة ، ( فإذا وجدت حملت إلى الملك ) غير أنهم لم
يكونوا يتناولون أرض العرب بشئ من ذلك ، ولا يريدونه . فبدأ الملك في
طلب النساء فكتب بتلك الصفة ، ثم دخل على كسرى فكلمه فيما دخل فيه ، ثم
قال : إني رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له ، فقرأت الصفة ، وقد كنت بآل
المنذر عالما ، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين
امرأة على هذه الصفة . قال : فتكتب فيهن . قال : أيها الملك ، إن شر شئ في
العرب وفي النعمان ( خاصة ) أنهم يتكرمون - زعموا في أنفسهم - عن
العجم ، فأنا أكره أن يغيبهن ( عمن تبعث إليه ، أو يعرض عليه غيرهن ) وإن
قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيبهن ، فابعثني وابعث معي رجلا من حرسك يفقه
العربية ، ( حتى أبلغ ما تحبه ) فبعث معه رجلا جليدا ، فخرج به زيد ، فجعل
يكرم ذلك الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة .
فلما دخل عليه أعظم الملك ، وقال : إنه قد أحتاج إلى نساء لأهله وولده ،
وأراد كرامتك ( بصهره ) ، فبعث إليك . فقال : وما هؤلاء النسوة ؟ فقال : هذه
صفتهن قد جئنا بها .
إمتاع الأسماع — صفحة 119
مساهمون: المقريزي
ص١١٩