ففي تصرفه قولان :
أحدها : في المقاتلة ، فعلى هذا يصرف جميعه فيهم خاصة .
ثانيهما : أنه يصرف جميعه في المصالح كلها .
وأما الصفي فقد سقط حكمه
فلا يستحقه أحد بعده صلى الله عليه وسلم
فقد خرج البخاري ومسلم وأبو داود من حديث مالك عن ابن شهاب ، عن
عروة ، عن عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها - أنها قالت : إن أزواج
النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر
- رضي الله تبارك وتعالى عنه - يسألنه ميراثهن من النبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة
لهن : أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نورث ما تركنا صدقة ؟ ( 1 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الفرائض ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا نورث ما تركناه صدقة ، وفي الجهاد ،
باب المجن ومن يتترس بترس صاحبه وفرض الخمس ، وفي المغازي ، باب حديث بني
النضير ، ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية الرجلين ، وفي تفسير سورة الحشر ، باب قوله
- تعالى - : ( ما أفاء الله على رسوله ) ، وفي النفقات ، باب حبس الرجل قوت سنة على
أهله ، وفي الاعتصام ، باب ما يكره من التعمق والتنازع في العم والغلو في الدين والبدع .
ومسلم في الجهاد ، باب حكم الفئ ، حديث رقم ( 1757 ) ، والترمذي في السير ، باب
ما جاء في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث رقم - ( 1610 ) ، وأبو داود ، حديث رقم ( 2963 ) وإسناده
صحيح ، و ( 2964 ) وإسناده صحيح ، و ( 2965 ) وإسناده صحيح ، وفي الخراج والإمارة ، باب
في صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال ، والنسائي : 7 / 136 - 137 في قسم الفئ ، وإسناده
صحيح .
قال القاضي عياض : وقد تأول قوم طلب فاطمة - رضي الله تبارك وتعالى عنها -
ميراثها من أبيها على أنها تأولت الحديث - إن كان بلغها - قوله صلى الله عليه وسلم : " لا نورث " على
الأموال التي لها بال ، فهي التي لا تورث . . لا ما يتركوه من طعام ، وإناث ، وسلاح . وهذا
التأويل خلاف ما ذهب إليه أبو بكر وعمر - رضي الله تبارك وتعالى عنهما - ، وسائر
الصحابة - رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين - .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " ما تركت بعد نفقة نسائي ، ومؤنة عاملي " فليس معناه : إرثهن منه ،
بل لكونهم محبوسات عن الأزواج لسببه ، أو لعظم حقهن في بيت المال لفضلهن ، وقدم
هجرتهن ، وكونهن أمهات المؤمنين . وكذلك اختصصن بمساكنهن لم يرثها ورثتهن .
قال القاضي : وفي ترك فاطمة - رضي الله تبارك وتعالى عنها - منازعة أبي بكر
- رضي الله تبارك وتعالى عنه - بعد احتجاجه عليها بالحديث : التسليم للاجماع على
القضية ، وأنها لما بلغها الحديث ، وبين لها التأويل ، تركت رأيها ، ثم لم يكن منها ولا من أحد
من ذريتها بعد ذلك طلب الميراث . ثم لما ولى علي - رضي الله تبارك وتعالى عنه - الخلافة
لم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر - رضي الله تبارك وتعالى عنهما - ، فدل على أن طلب
علي والعباس - رضي الله تبارك وتعالى عنهما - إنما كان طلب تولي القيام بهما بأنفسهما ،
وقسمتها بينهما كما سبق .
قال : وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر - رضي الله تبارك وتعالى عنهما - ،
فمعناه : انقباضتها عن لقائه ، وليس هذا من الهجران المحرم ، الذي هو ترك السلام
والإعراض عند اللقاء ، ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته .
قال العلماء : وفي هذا الحديث : أنه ينبغي أن يولي أمر كل قبيلة سيدهم ، ويفوض إليه
مصلحتهم ، لأنه أعرف بهم وأرفق بحالهم ، وأبعد من أن يأنفوا من الانقياد له . ولهذا قال الله -
سبحانه وتعالى - : ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) ( النساء : 35 ) .
وفيه جواز نداء الرجل باسمه من غير كنية ، وفيه جواز احتجاب المتولي في وقت الحاجة
لطعامه أو وضوئه ، ونحو ذلك ، وفيه قبول خبر الواحد ، وفيه استشهاد الإمام على ما يقوله
بحضرة الخصمين العدول لتقوى حجته في إقامة الحق ، وقمع الخصم . والله - تعالى - أعلم .
( جامع الأصول ) : 2 / 702 - 703 ، هامش ، 9 / 636 - 640 ، الأحاديث .