تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
وأما تمتع النابغة ( 1 ) بأسنانه وقد نيف على المائة عام بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك
هامش
( 1 ) هو النابغة الجعدي الشاعر المشهور المعمر ، اختلف في اسمه ، فقيل : هو قيس بن عبد الله بن عبس بن ربيعة بن جعدة ، وقيل بدل عدس : وحوح . وجعدة هو ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وقيل : سمي النابغة عبد الله ، وقيل : حبان بن قيس بن عبد الله بن قيس ، وقيل بتقديم قيس على عبد الله وبه جزم القحذمي ، وأبو الفرج الأصبهاني ، وبالأول جزم ابن الكلبي ، وأبو حاتم السجستاني ، وأبو عبيدة ، ومحمد بن سلام الجمحي ، وغيرهم ، وحكاه البغوي عنه ، وحكى أبو الفرج الأصبهاني أنه غلط ، لأنه كان له أخ اسمه وحوح بن قيس قتل في الجاهلية ، فرثاه النابغة . قال الحافظ ابن حجر : ويحتمل أن يكون وحوح أخاه لأمه ، وقد أخرج الحسن بن سفيان في مسنده عن أبي وهب الوليد بن عبد الملك ، عن يعلى بن الأشدق : حدثني قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة ، نابغة بني جعدة ، فذكر حديثا ، قال أبو الفرج : أقام مدة لا يقول الشعر ، ثم قاله ، فقيل : نبغ ، وقيل : كان يقول الشعر ثم تركه في الجاهلية ثم عاد إليه بعد أن أسلم فقيل : نبغ . وقال القحذمي : كان النابغة قديما شاعرا مغلقا طويل العمر في الجاهلية وفي الإسلام ، قال : وكان أسن من النابغة الذبياني ، ومن شعره الدال على طول عمره : * ألا زعمت بنو أسد بأني * أبو ولد كبير السن فاني فمن يك سائلا عني فإني * من الفتيان أيام الخنان أتت مائة عام ولدت فيه * وعشر بعد ذاك وحجتان وقد أبقت صروف الدهر مني * كما أبقت من السيف اليماني وقال أبو حاتم السجستاني في كتاب ( المعمرين ) : عاش مائتي سنة ، وهو القائل : قال أمامة كم عمرت زمانة * وذبحت من عتر على الأوثان ولقد شهدت عكاظ قبل محلها * فيها وكنت أعد في الفتيان والمنذر بن محرق في ملكه * وشهدت يوم هجائن النعمان وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى * وقوارع تتلى من القرآن ولبست في الإسلام ثوبا واسعا * من سيب لا حرم ولا منان قال ابن عبد البر : استدلوا بهذا على أنه كان أسن من النابغة الذبياني لأنه ذكر أنه شهد المنذرين بن محرق ، والنابغة إنما أدرك النعمان بن المنذر ، وتقدمت وفاة النابغة الذبياني قبله بمدة ولذلك كان يظن أن النابغة الذبياني أكبر من الجعدي . وذكر عمر بن شبة عن أشياخه أنه عمر مائة وثمانين سنة ، وأنه أنشد عمر بن الخطاب - رضي الله تبارك وتعالى عنه : * لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا ثلاثة أهلين أفنيتهم * وكان الإله هو المستاسا فقال له عمر - رضي الله تبارك وتعالى عنه : كم لبثت مع كل أهل ؟ قال : ستين سنة وقال ابن قتيبة : عمر بعد ذلك إلى زمن ابن الزبير ، ومات بأصبهان وله مائتان وعشرون سنة ، وذكر المرزباني نحوه إلا قدر عمره ، وزاد أنه كان من أصحاب علي وله مع معاوية أخبار ، وعن الأصمعي أنه عاش مائتين وثلاثين سنة . وروينا في كتاب الحاكم من طريق النضر بن شميل ، أنه سئل عن أكبر شيخ لقيه المنتجع الأعرابي ، قال : قلت له : من أكبر من لقيت ؟ قال : النابغة الجعدي ، قال : قلت له : كم عشت في الجاهلية ؟ قال : دارين . قال النضر : يعني مائتي سنة ، وقال أبو عبيدة معمر بن المثني : كان النابغة ممن فكر في الجاهلية ، وأنكر الخمر والسكر ، وهجر الأزلام ، واجتنب الأوثان ، وذكر دين إبراهيم ، وهو القائل القصيدة التي فيها : الحمد لله لا شريك له * من لم يقلها فنفسه ظلما قال أبو عمر : في هذه القصيدة ضروب من التوحيد ، والاقرار بالبعث ، والجزاء ، والجنة ، والنار ، على نحو شعر أمية بن أبي الصلت ، وقد قيل : إنها لامية ، لكن صحح حماد الرواية ، ويونس بن حبيب ، ومحمد بن سلام الجمحي ، وعلي بن سليمان الأخفش للنابغة قرأت على علي بن محمد الدمشقي بالقاهرة ، عن سليمان بن حمزة ، أنبأنا أبو النصر الطوسي ، أنبأنا أبو طاهر المخلص ، حدثنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا يعلي بن الأشدق ، قال : سمعت النابغة الجعدي يقول : أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم بلغنا السماء مجدنا وجدودنا . . . وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال : أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قلت : الجنة . قال : أجل - إن شاء الله تعالى ، ثم قال : ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمى صفوه أن يكدرا * ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضض الله فاك ، مرتين ، وهكذا أخرجه البزار ، والحسن بن سفيان في ( مسنديهما ) ، وأبو نعيم في ( تاريخ أصبهان ) ، والشيرازي في ( الألقاب ) ، وكلهم من رواية يعلي بن الأشدق ، قال : وهو ساقط الحديث . قال أبو نعيم : رواه عن يعلى جماعة ، منهم هاشم بن القاسم الحراني ، وأبو بكر الباهلي : فقد وقعت لنا قصة في غريب الحديث للخطابي : وفي كتاب ( العلم ) للمرهبي ، وغيرهما ، ومن طريق مهاجر بن سليم ، عن عبد الله بن جراد : سمعت نابغة بني جعدة يقول : أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم قولي : * علونا السماء مجدنا وجدودنا * البيت فغضب صلى الله عليه وسلم وقال : أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قلت : الجنة ، قال : أجل - إن شاء الله - ثم قال : أنشدني من قولك . فأنشدته البيتين : * ولا خير في حلم إذا لم يكن له * فقال لي : أجدت ، ولا يفضض الله فاك ، فرأيت أسنانه كالبرد المنهل ، فما انقصمت له سن ، ولا انفلت ، ورويناه في ( المؤتلف والمختلف ) الدارقطني ، وفي ( الصحابة ) لابن السكن ، وفي غيرهما من طريق الرحال بن المنذر : حدثني أبي عن أبيه كرز بن أسامة ، وكانت له وفادة مع النابغة الجعدي ، فذكرها بنحوه ، ورويناها في ( الأربعين البلدانية ) للسلفي ، من طريق أبي عمرو ابن العلاء ، عن نصر بن عاصم الليثي ، عن أبيه : سمعت النابغة يقول : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته قولي : * بلغنا السماء مجدنا وجدودنا * فقال : إلى أين يا أبا ليلى ؟ قال : إلى الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن شاء الله - فلما أنشدته : * ولا خير في حلم إذا لم يكن له * * ولا خير في جهل إذا لم يكن له * فقال لي : صدقت ، لا يفضض الله فاك ، فبقي عمره أحسن الناس ثغرا ، كلما سقطت سن عادت أخرى ، فكان معمرا ، ورويناه في ( مسند الحارث بن أبي أسامة ) ، ومن طريق الحسن ابن عبيد الله العنبري ، قال : حدثني من سمع النابغة الجعدي يقول : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته : وإنا لقوم ما نعود خيلنا * إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا وننكر يوم الروع ألوان خيلنا * من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا وليس بمعروف لنا أن نردها * صحاحا ولا مستنكرا أن تعقرا ورويناها مسلسلة بالشعراء من رواية دعبل بن علي الشاعر ، عن أبي نواس عن والبة بن الحباب ، عن الفرزدق ، عن الطرماح ، عن النابغة ، وهي في كتاب ( الشعراء ) لأبي زرعة الرازي المتأخر ، وقد طولت ترجمته في كتاب ( من جاوز المائة ) مما دار بينه وبين من هاجاه من الماجريات كليلي الأخيلية صاحبة توبة ، وأوس المزني ، وغيرهما . وذكر أبو نعيم في ( تاريخ أصبهان ) ، أنه قيس بن عبد الله ، وأنه مات بأصبهان ، قال : وكان معاوية سيره إليها مع الحارث بن عبد الله بن عبد عوف بن أصرم ، وكان ولي أصبهان من قبل علي ، ثم أسند من طريق الأصمعي ، عن هانئ بن عبد الله ، عن أبيه ، عن عبد الله بن صفوان ، قال : عاش النابغة ، مائة وعشرين سنة . قال ابن عبد البر : قصيدة النابغة مطولة نحو مائتي بيت ، أولها : * خليلي غضاعة وتهجرا * ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا يقول فيها : أتيت رسول الله إذا جاء بالهدى * ويتلو كتابا كالمجرة نيرا ومنها : وجاهدت حتى ما أحس ومن معي * سهيلا إذا ما لاح ثم تحورا أقيم على التقوى وأرضى بفعلها * وكنت من النار المخوفة أحذرا ثم أورد أبو عمر بإسناده إلى أبي الفرج الرياشي منها أربعة وعشرين بيتا ، وذكر عمر بن شبة عن مسلمة بن محارب ، أن النابغة الجعدي دخل على علي فذكر قصة ، وذكر أبو نعيم في ( تاريخ أصبهان ) : وأخرج ابن أبي خثيمة في تاريخه عن الزبير بن بكار ، وحدثني أخي هارون ابن أبي بكر ، عن يحيى بن أبي قتيلة ، عن سليمان بن محمد بن يحيى بن عروة ، عن أبيه ، عن عمه عبد الله بن عروة قال : ألحت السنة على نابغة بني جعدة ، فدخل على ابن الزبير في المسجد الحرام ، فأنشده : حكيت لنا الصديق لما وليتنا * وعثمان والفاروق فارتاح معدم وسويت بين الناس في الحق فاستووا * فعاد صباحا حالك الليل مظلم أتاك أبو ليل تجوب به الدجى * دجى الليل جواب الفلاة عرمرم لجبر منه جانبا دعدعت به * صروف الليالي والزمان المصمم فقال ابن الزبير : هون عليك يا أبا ليلى فإن الشعر أيسر وسائلك عندنا ، لك في مال الله حقان : لرؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق لشركتك أهل الإسلام في فيئهم ، ثم أخذ بيده ، فدخل به دار النعم ، وأعطاه فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحب صرفا ، فقال ابن الزبير : ويح أبي ليلى لقد بلغ به الجهد ، فقال النابغة : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما وليت فعدلت ، واسترحمت فرحمت ، وحدثت فصدقت ، ووعدت خيرا فأنجزت ، فإنا والنبيون فراط التابعين ، [ يريد أنهم يتقدمون الأمم إلى الجنة ، وهم على إثره متدافعين ومزدحمين ] ، وقد وقع لنا عاليا جدا من حديث ابن الزبير موافقة : قرأت على فاطمة بنت محمد بن المنجي بدمشق ، عن سليمان بن حمزة ، أنبأنا محمود بن إبراهيم في كتابه ، أنبأنا مسعود بن الحسن ، أنبأنا أبو بكر السمسار ، أنبأنا أبو إسحاق بن خرشة ، أنبأنا أبو الحسن المخزومي ، حدثنا الزبير بن بكار ، به بتمامه ، وأخرجه ابن جرير في ( تاريخه ) ، عن ابن أبي خثيمة ، وأخرجه أبو الفرج الأصبهاني في ( الأغاني ) عن ابن جرير . وأخرجه ابن أبي عمر في ( مسنده ) ، عن هارون . وأخرجه ابن السكن ، عن محمد بن إبراهيم الأنماطي ، والطبراني في ( الصغير ) ، عن حسين بن الفهم ، وأبو الفرج الأصبهاني ، عن حرمي بن العلاء ، ثلاثتهم عن الزبير ، فوقع لنا بدلا عاليا . وأخرج أبو نعيم عن الطبراني طرفا منه ( الإصابة ) : 6 / 391 - 398 ، ترجمة رقم ( 8645 ) ، ( الإستيعاب ) : 4 / 1514 - 1522 ، ترجمة رقم ( 2648 ) ، ( الشعر والشعراء ) : 177 - 181 ، ( المؤتلف والمختلف للدار قطني ) : 4 / 1957 ، 2168 .